قلت: ذهب حاكم بن عبيسان هنا إلى أن قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللهُ" بعد ذكره غزو الروم أن المقصود بغزو الدجال هنا هو: "غزو رومية"!! فبوب عليه: "باب: البشارة بفتح مدينة الدجال رومية بعد فتح القسطنطينية"!! قال: "وهو غير الدجال الذي يخرج بين يدي الساعة"!!
وهذا الذي ذهب إليه حاكم بن عبيسان لا يوافق عليه!! ويرده ما جاء في الحديث نفسه: "فَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ، لا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ، حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ"، وقوله واضح الدلالة في خروج الدجال المعروف لا أن المقصود هو غزو رومية كما توهم حاكم!!!
والدجال إذا أُطلق فهو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من فتنته، ولا يوجد أي قول لأهل العلم يقول بخلاف ذلك! وما قاله حاكم كذب صريح على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفسير لنصوص الوحي بالظن والهوى، ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 36].
حديث عبدالرحمن بن سَنّة: ليأرزن الإيمان إلى ما بين المسجدين .. الحديث:
• ذكر ابن عبيسان (ص 127): "باب فضل الترك وقيامهم بالإسلام حين غربته وجهادهم للروم وتصديهم لحملاتهم الصليبية وفتحهم القسطنطينية .. عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ سَنَّةَ الأنصاري، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الْإِيمَانُ إِلَى مَا بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ [مكة والمدينة] كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى حُجْرِهَا، وَلَيُجَاوِزُ الْإِيمَانُ الْمَدِينَةَ كَمَا يَجُوزُ السَّيْلُ الدِّمَنَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ اسْتَغَاثَتِ الْعَرَبُ بِأَعْرَابِهَا فِي مَجْلَبَةٍ لَهُمْ، كَصَالِحِ مَنْ مَضَى، وَخَيْرِ مَنْ بَقِيَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالرُّومُ، فَتَتَقَلَّبُ بِهِمُ الْحُرُوبُ حَتَّى يَرِدُوا عَمْقَ أَنْطَاكِيَةَ فَيَقْتَتِلُونَ بِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَيَرْفَعُ اللَّهُ النَّصْرَ عَنْ كُلِّ الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى تَخُوضَ الْخَيْلُ فِي الدَّمِ إِلَى ثُنَتِهَا، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ، أَلَا تَنْصُرْ عِبَادَكَ؟ فَيَقُولُ: حَتَّى يَكْثُرَ شُهَدَاؤُهُمْ، فَيُسْتَشْهَدُ ثُلُثٌ، وَيَصْبِرُ ثُلُثٌ، وَيَرْجِعُ ثُلُثٌ شَاكًّا فَيُخْسَفُ بِهِمْ، قَالَ: فَتَقُولُ الرُّومُ: لَنْ نَدَعُكُمْ إِلَّا أَنْ تُخْرِجُوا إِلَيْنَا كُلَّ مَنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَّا، فَيَقُولُ الْعَرَبُ لِلْعَجَمِ: الْحَقُوا بِالرُّومِ، فَتَقُولُ الْعَجَمُ: أَنَكْفُرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ؟ فَيَغْضَبُونَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَيَحْمِلُونَ عَلَى الرُّومِ فَيَقْتَتِلُونَ، فَيَغْضَبُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ، وَيَطْعَنُ بِرُمْحِهِ " قِيلَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، مَا سَيْفُ اللَّهِ وَرُمْحُهُ؟ قَالَ: سَيْفُ الْمُؤْمِنِ وَرُمْحُهُ، حَتَّى يُهْلِكُوا الرُّومَ جَمِيعًا، فَمَا يَفْلِتُ إِلَّا مُخْبِرٌ، ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ فَيَفْتَتِحُونَ حُصُونَهَا وَمَدَائِنَهَا بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى يَأْتُوا مَدِينَةَ هِرَقْلَ فَيَجِدُونَ خَلِيجَهَا بَطْحَاءَ، ثُمَّ يَفْتَتِحُونَهَا بِالتَّكْبِيرِ، يُكَبِّرُونَ تَكْبِيرَةً فَيَسْقُطُ أَحَدُ جُدُرِهَا، ثُمَّ يُكَبِّرُونَ أُخْرَى فَيَسْقُطُ جِدَارٌ آخَرُ، وَيَبْقَى جِدَارُهَا الْبَحْرِيُّ لَا يَسْقُطُ، ثُمَّ يَسْتَجِيرُونَ إِلَى رُومِيَّةَ فَيَفْتَتِحُونَهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَيَتَكَايَلُونَ يَوْمَئِذٍ غَنَائِمَهُمْ كَيْلًا بِالْغَرَائِرِ».) رواه نعيم في الفتن واللفظ له بإسناد حسن لغيره بشواهده، ورواه عبدالله بن أحمد في زوائده على المسند مختصرا؛ ولفظه: (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْحَازَنَّ الْإِيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْرِزَنَّ الْإِسْلَامُ إِلَى مَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا).