قلت: كيف يكون إسناده صحيحا وهو منقطع؟! فصفوان بن عمرو السكسكي الحمصي (ت 155 هـ)، وبينه وبين كعب الأحبار (ت 34 هـ) راويان على الأقل.
والفرج بن محمد هذا لم يدرك كعب الأحبار! بينهما واحد.
وقد ذكر ابن عساكر في «تاريخه» (1/ 364) أثراً عن صفوان، عن الفرج بن محمد: أنه سمع أبا ضمرة يقول: قال كعب ... علاوة على أن الفرج هذا مجهول لا يُعرف!! ولم أجد أحداً ترجم له! وهو يروي عن مجاهيل!!
فقد روى ابن عساكر في «تاريخه» (21/ 350) من طريق ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن الفرج بن محمد، عن بعض أشياخه قال: "كنا مع سفيان بن عوف الغامدي شاتين بأرض الروم فلما صفنا دعا سفيان الخيول فاختار ثلاثة آلاف، فأغار بنا على باب الذهب حتى فزع أهل القسطنطينية، وضربوا بنواقيسهم، ثم لقونا، فقال: ما شأنكم يا معشر العرب، وما جاء بكم؟ قلنا: جئنا لنخرب مدينة الكفر، ويخربها الله على أيدينا، فقالوا: ما ندري أخطأتم الحساب أم كذب الكتاب أم استعجلتم القدر! والله إنا لنعلم أنها ستفتح يوماً، ولكنا لا نرى هذا زمانها".
ثم لو صح هذا القول عن كعب فهو مخالف لما عليه أئمة التفسير.
فقد قال الطبري في «تفسيره» (22/ 219) في تفسير قول الله: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (قُلْ) يا محمد (لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ) عن المسير معك، (سَتُدْعَوْنَ إِلَى) قتال (قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ) في القتال (شَدِيدٍ) ".
ثم قال: "واختلف أهل التأويل في هؤلاء الذين أخبر الله عزّ وجلّ عنهم أن هؤلاء المخلفين من الأعراب يُدْعَوْن إلى قتالهم".
فقال بعضهم: هم أهل فارس.
وإلى هذا ذهب: ابن عباس رضي الله عنه، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، والحسن، وابن زيد.
وقال آخرون: هم هَوازن بحُنين.
وإلى هذا ذهب: سعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة.
وقال آخرون: بل هم بنو حنيفة.
وإلى هذا ذهب: الزهري، وقيل: سعيد بن جُبير وعكرِمة.
وقال آخرون: هم الروم.
قال الطبري: حدثني محمد بن عوف، قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، قال: حدثنا الفرج بن محمد الكلاعي، عن كعب، قال ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: الروم.
ثم قال الطبري بعد أن ساق هذه الأقوال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس في القتال، ونجدة في الحروب، ولم يوضع لنا الدليل من خبر ولا عقل على أن المعنيَّ بذلك هوازن، ولا بنو حنيفة ولا فارس ولا الروم، ولا أعيان بأعيانهم، وجائز أن يكون عني بذلك بعض هذه الأجناس، وجائز أن يكون عُنِي بهم غيرهم، ولا قول فيه أصحّ من أن يُقال كما قال الله جلّ ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد".
وما قاله صَفْوَانُ بن عمرو: حَدَّثَنَا مَشْيَخَتُنَا أَنَّ مِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَرْتَدُّ يَوْمَئِذٍ كَافِرً .. إلخ! فهذا لا يُحتج به؛ لأنه لا إسناد له!!!
أثر كعب الأحبار: لولا ثلاث لأحببت أن لا أحيا ساعة .. الأثر:
• ذكر ابن عبيسان (ص 123): "وعن تُبيع عن كعب قال: (لَوْلَا ثَلَاثٌ لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَحْيَا سَاعَةً، أَوَّلُهَا نُهْبَةُ الْأَعْرَابِ، فَإِنَّهُمْ يُسْتَنْفَرُونَ فِي بَعْضِ مَا يَكُونُ، وَيَحْدُثُ مِنَ الْمَلَاحِمِ، فَيَقُولُونَ كَمَا قَالُوا فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حِينَ اسْتُنْصِرُوا: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11] فَأَجَابَ مَنْ أَجَابَ، وَتَرَكَ مَنْ تَرَكَ، فَإِذَا اسْتُنْصِرُوا الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ الْمَلَاحِمِ فَأَبَوْا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمُ الْآيَةَ الَّتِي وَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: 16] الْآيَةَ، فَهِيَ نُهْبَةِ الْأَعْرَابِ، وَالخَائِبُ مَنْ خَابَ يَوْمَ نُهْبَةِ كَلْبٍ، وَالثَّانِيَةُ لَوْلَا أَنْ أَشْهَدَ الْمَلْحَمَةَ الْعُظْمَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَرِّمُ عَلَى كُلِّ حَدِيدَةٍ أَنْ تَجْبُنَ، فَلَوْ ضَرَبَ الرَّجُلُ يَوْمَئِذٍ بِسَفُّودٍ لَقَطَعَ، وَالثَّالِثَةُ لَوْلَا أَنْ أَشْهَدَ فَتْحَ مَدِينَةِ الْكُفْرِ، وَإِنَّ دُونَ فَتْحِهَا لَصَغَارًا كَبِيرًا.) رواه نعيم في الفتن عن كعب من قوله بإسناد حسن".