قلت: بحسب عنوان الباب الذي ذكره وفيه: "ومشاركة أبناء المهاجرين في فتحها"! فما دخل محمد الثاني بن مراد والجيش العثماني بهذا؟!! هل هم من أبناء المهاجرين؟! ثم هو في التبويب يزعم أن هذا الوصف من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه يقرر أنه موقوف .. !! فهو يفترض أنه موقوف له حكم الرفع ثم ينسب ما فيه جازما للنبي صلى الله عليه وسلم!
كل هذا التخبط والخلط من حاكم بن عبيسان من أجل نصرة رأيه بالهوى لإرضاء الأتراك!! والله المستعان.
وإليك بيان ما زعمه من الأوهام:
أما الحديث الأول الموقوف فهو في «جامع مَعمر» الملحق بآخر "مصنف عبدالرزاق" (11/ 388) (20816):
قال عَبْدُالرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى يَغْزُوَ الْعَادِي رُومِيَّةَ، فَيَفْعَلَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَيَرَى أَنْ قَدْ فَعَلَ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُوقَ النَّاسَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ».
لكن في كتاب «الفتن» لنعيم بن حماد (1/ 121) (284) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَسُوقَ النَّاسَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ».
وهذا الذي عند نعيم بن حماد ليس فيه ما يتعلق بغزو رومية والقسطنطينية، ولا يعرف هذا عن أبي هريرة رضي الله عنه.!
والمعروف عن أبي هريرة حديث القحطاني وهو في الصحيحين مرفوعا، من حديث أَبِي الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ، يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ».
ولا يبعد أن يكون هذا دخل على راوي كتاب عبدالرزاق: «إسحاق الدَّبَرِيّ»؛ فإن له بعض الأخطاء في روايته عن عبدالرزاق، وقد أَلَّف القَاضِي أَبُو عَبْدِاللهِ بنِ مفرج كِتَاباً فِي الحُرُوْف الَّتِي أَخْطَأَ فِيْهَا الدَّبرِي، وَصحف فِي جَامع الإمام عَبْد الرَّزَّاقِ.
وحتى لو صح ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه فهذا ليس له حكم المرفوع كما ادّعى حاكم بن عبيسان!! لأن أبا هريرة كان يروي عن أهل الكتاب، وهذا وغيره يُروى عن كعب الأحبار وغيره.
وإسناد حديث خروج الرجل من قحطان من رواية أبي الغيث عن أبي هريرة، وهو إسناد الحديث الآخر الذي أتى به حاكم!
وهو عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «يَفْتَتِحُونَ رُومِيَّةَ حَتَّى يُعَلِّقَ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ سُيُوفَهُمْ بِلَبَخَاتِ رُومِيَّةَ، فَيَقْفُلُ الْقَافِلُ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَيَرَى أَنَّهُ قَدْ قَفَلَ».
وهذا لا يُعرف عن أبي الغيث، ولا عن أبي هريرة!! وإسناد الحديث منكر! لا كما ادعى حاكم بأنه حسن!!!
فهو من رواية مُحَمَّد بن عبدالرَّحْمَن بن عِرْق اليحصبِي، وهو مستور الحال، وثقه دُحيم، وذكره ابن حبان في «الثقات» (5/ 377) وقال: "لا يحْتَج بحَديثه مَا كَانَ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَبَقِيَّة بن الْوَلِيد وَيحيى بن سعيد الْعَطَّار وذويهم، بل يعْتَبر من حَدِيثه مَا رَوَاهُ الثِّقَات عَنهُ".
قلت: وهذا الحديث من رواية ابن عياش عنه، فلا يُحتج به.
ومحمد بن عبد الرحمن لا تعرف له رواية عن أبي الغيث، وهذا الحديث من منكرات إسماعيل بن عيّاش.
وقد قال حاكم في الحاشية: "قوله: "حتى يغزو الغازي رومية ثم يقفل إلى القسطنطينية يصدق على محمد الفاتح؛ فهو الغازي الذي فتح القسطنطينية، ثم غزا قاصدا رومية ثم قفل ورجع عنها عازما على فتحها، ثم توفاه الله قبل أن يحقق غايته. وأل التعريف هنا ليست للجنس لتعم كل غاز؛ بل هي عهدية، والمراد بها: الأمير الذي يفتحها، وتعريف (الغازي) إشارة إلى شهرته بهذا الوصف، وقد كان هذا من أشهر صفات محمد الفاتح وألقابه، وبه اشتهر، فقد قاد بنفسه 25 معركة خلال ثلاثين سنة؛ وواجه الجيوش الأوربية الصليبية كلها! وقوله بعده: "لا تقوم الساعة حتى يسوق رجل من قحطان الناس بعصاه " قيل: هو محمد بن عبد الله الرشيد أمير حائل ونجد في أواخر عصور الخلافة العثمانية، وقد ألف بعض علماء الهند آنذاك رسالة في أنه المقصود بالحديث، ومال إليه صديق حسن خان، فهو أول رجل من قحطان - وابن رشيد من شمر من عبدة ويرجع نسبهم إلى قحطان كما هو مشهور- يكون ذا سلطان واسع على أواسط جزيرة العرب منذ ظهور الإسلام؛ وقد اشتهر بالعدل والصلاح ودام حكمه أكثر من عشرين سنة، وقد ذكر ذلك ابن عتيق في الدرر السنية (1/ 558) فقال: (فقد وقع البحث في الحديث، الذي في الصحيحين، حديث أبي هريرة…قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان، يسوق الناس بعصاه، فصرح بعض الحاضرين، بأن القحطاني المذكور في هذا الحديث هو: محمد بن رشيد الذي خرج في أواخر المائة الثالثة بعد الألف من الهجرة، وعظمت شوكته، وانتشرت دولته في أوائل المائة الرابعة، واستولى على كثير من البلدان النجدية، وقهر جماعات من أهل البادية، حتى استسلم لأمره كثير من أهل نجد واليمامة، أو أكثرهم، فسألني بعض الخواص، هل يسوغ القول بما قاله هذا القائل؟ وهل ينبغي الجزم به، أم لا؟ ثم بلغني عن بعض الإخوان: أنه نسب هذا إلى صديق حسن الهندي .... ) ثم حاول صرف الحديث عن ظاهره بدعوى عدم التنصيص عليه بعينه! وعدم مطابقة حاله لما ورد في الحديث! وكلاهما استدلال ضعيف بل باطل؛ فلا يشترط في مثل هذه الأخبار التنصيص على الأعيان، بل التوصيف كاف في التعريف ... ".