قلت: هذا الحديث تفرد به زيد بن الحباب عن الوليد المعافري! وعبد الله بن بشر مجهول! وأبوه لا تعرف له صحبة! ولا يُعرف إلا في هذا الحديث!
فمثل هذا الإسناد لا يُصحح! فهو حديث منكر!! ورواته مجاهيل!
فأين الصحة التي اعتمدها حاكم بن عبيسان؟!! ولهذا تجده يحتج بتصحيحات ابن خزيمة والحاكم! بل وينزل للاحتجاج بأقوال الهيثمي لنصرة رأيه!! حتى إنه احتج بتصحيحات السيوطي والمناوي!!
واتهم من ضعفه من المعاصرين بأنهم ليس لهم سلف إلا الأوهام وأنه لم يضعفه أحد من قبل!! ويقصد بالمعاصرين العبد الفقير، فقد رددت عليه تصحيحه لما احتج بهذا الحديث لما وقع ما يسمى بالانقلاب العسكري في تركيا!!
وماذا يفعل حاكم بتجهيل ابن المديني لراوي هذا الحديث؟!! أليس هذا بسلف لنا في تضعيفه؟! وممن؟ من إمام العلل علي بن المديني.
حتى لو لم نجد من ضعفه من المتقدمين فهذا لا يعني أنهم يصححونه! فهم لم يتكلموا على كل الأحاديث.
وزعْمُ ابن عبيسان تصحيح الذهبي له بموافقته الحاكمَ النيسابوري في كتابه غلط محض، فقد نقل الذهبي في «تاريخ الإسلام» (2/ 1045) ما يشير إلى تضعيفه الحديث، فإنه ذكره ثم قال: "قال ابنُ المَدِينِيِّ: رَاوِيهِ مَجْهُولٌ".
والعجب من ابن عبيسان كيف أغمض عينيه وأنزل هذا الحديث على محمد الثاني بن مراد العثماني المشهور بـ: (محمد الفاتح)!!
فالحديث لو صح فإنه يتنزل على جيش يزيد بن معاوية الذي غزا القسطنطينية، وعلى هذا مشى بعض أهل العلم. لكن الهوى جعل ابن عبيسان ينزله على الترك، وأنه خاص بهم وبالجيش العثماني!! وهذا قمة -بل قاع- الافتراء والكذب!
وأما ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في «الإصابة» و «التعجيل» وعدم القدح فيه وهذا "عنده حسن على أقل أحواله! " فهذه هي الأوهام التي يرمي بها ابن عبيسان الناس!! وليس له سلف في هذا الاختراع إلا أوهامه! وهذا تقويل للحافظ ما لم يقله ولم يدعه - فيما نعلم- أحد من العلماء بعده!!
فعدم القدح فيه أو في صحته لا يعني أنه حسن عنده! فهو لم يحكم على كل حديث في كتابيه، وليس هذا من شرطه، ولا نلزمه ما لم يلزم به نفسه.
أثر كعب الأحبار في وصف أمير جيش القسطنطينية:
• ذكر ابن عبيسان (ص 115): "باب: صفة فاتح القسطنطينية وعدالته .. عن عتبة بن تميم، قال: حدثني الوليد بن عامر اليزني، عن يزيد بن خمير، عن كعب، قال: (أمير الجيش الذي يفتح القسطنطينية ليس بسارق، ولا زان، ولا غال.) رواه نعيم في الفتن، والداني في السنن، من طريقين عن عتبة به، وإسناده حسن لغيره".
قلت: هذا من رواية كعب الأحبار! ولا يُعتمد عليه! والعجب من حاكم يحتج بأقوال كعب هنا، ويردها في بحوث أخرى له - كما مر معنا في رده على الجهمي حمد العثمان-!!
إضافة لما سبق، فإن رواية الداني ليس فيها ذكر "كعب"!!
فالذي في المطبوع عن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاشٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عَامِرٍ اليَزَنِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، قَالَ: «أَمِيرُ الْجَيْشِ الَّذِي يَفْتَحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ لَيْسَ بِسَارِقٍ وَلَا زَانٍ وَلَا غَالٍّ».
فيحتمل أنه سقط من المطبوع اسم "كعب"! والله أعلم.
ثم إن ما فعله حاكم بن عبيسان هنا فيه تدليس كبير .. ! فإنه اقتطع جزءا من الأثر لإنزاله على محمد الثاني بن مراد العثماني المشهور بـ: (محمد الفاتح)! في حين أن ما حذفه من الأثر يدل على أن فاتحها من بني هاشم! وهناك روايات فيها أنه من آل هرقل .. !! فهل محمد الثاني من آل هرقل؟! كل ذلك أعرض عنه ابن عبيسان.
والرواية الكاملة هي: «إِذَا أَبَقَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَقَدْ حَضَرَ أَمْرُهَا، وَأَمِيرُ الْجَيْشِ الَّذِي يَفْتَحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ لَيْسَ بِسَارِقٍ وَلَا زَانٍ وَلَا غَالٍّ، وَالْمَلَاحِمُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ آلِ هِرَقْلَ».