والعجيب أن حاكم بن عبيسان ذكر أن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قد بنى مسجداً في القسطنطينية، وذكر أن طغرابك (13) السلجوقي أرسل رسوله من العراق سنة (447 هـ) (بكتابه يأمر متملك الروم بأن يمكن الرسول من الصلاة في جامع القسطنطينية، فأذن له في ذلك، فدخل إليه وصلى فيه صلاة الجمعة. وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي).
ثم تجده مضطرباً في التوفيق بين هذا وبين بناء محمد الثاني بن مراد العثماني لمسجد إسطنبول!!!
فيقرر: "ولا يبعد أن يكون هناك مسجد قديم عند القبر قد اندثر ثم بني عليه الجامع الجديد بعد فتحها؛ جمعا بين الروايات التي تؤكد وجود مسجد قبل الفتح. وقد يكون هو مسجد أبي أيوب نفسه الذي بناه في تلك الغزوة وكان يصلي فيه ويعظ الناس ويحدثهم فيه، كما في رواية ابن عساكر السابقة، ثم بقيت آثار ذلك المسجد حتى بناه محمد الفاتح جامعا بعد فتح القسطنطينية".
والعجب أنه ينقل رواية الوليد بن مسلم عن رجل مجهول في رؤيته قبر أبي أيوب وعليه قناديل معلقة!! ويسكت عن ذلك!!!
(13) كذا ورد في أربعينيته المزعومة مصحفا، والصواب الذي ورد في المواعظ والاعتبار للمقريزي أن اسمه طغريل السلجوقي كما في نشرة الكتاب القديمة عن مكتبة الثقافة الدينية بمصر (1/ 335). واشتهر كذلك بطغرلبك، كما في تاريخ بغداد (11/ 47) وغيرها، وكان له مشاركة في كبح فتنة ابن البساسيري ببغداد.
وهذا المسجد الذي يحيك حوله ابن عبيسان الخرافات ويبني عليه القصور الوردية قد بناه في الأصل ملك الروم في تلك الديار!! فقد ذكر الملك المؤيد أبو الفداء الحموي في كتابه المختصر في أخبار البشر (2/ 169) في حوادث سنة إحدى وأربعين وأربعمائة: "وفيها أرسل ملك الروم إلى السلطان طغرلبك هدية عظيمة، وطلب منه المعاهدة فأجابه إليها، وعمر مسجد القسطنطينية، وأقام فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك" ثم لما أراد نيل المزيد من الولاء من السلطان العباسي جعل طغرلبك الخطبة للقائم بأمر الله!
وأصل القصة ما حكاه مؤرخ زمانه ابن الأثير فقال في الكامل في التاريخ (8/ 78): "وَأَرْسَلَ مِلْكُ الرُّومِ إِلَى ابْنِ مَرْوَانَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْعَى فِي فِدَاءِ مَلِكِ الْأَبْخَازِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، فَأَرْسَلَ نَصْرُ الدَّوْلَةِ شَيْخَ الْإِسْلَامِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مَرْوَانَ فِي الْمَعْنَى إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، فَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مِلْكِ الرُّومِ، وَأَرْسَلَ عِوَضَهُ مِنَ الْهَدَايَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَمَرُوا مَسْجِدَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَأَقَامُوا فِيهِ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ لِطُغْرُلْبَك".
حديث أبي أيوب الأنصاري: إذا أنا متّ فاحملوني .. الحديث:
• ذكر ابن عبيسان (ص 105): "باب: فضل نزول القسطنطينية ومن أوصى أن يدفن تحت أسوارها" ... "عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أنه خَرَجَ غَازِيًا فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَمَرِضَ، فَلَمَّا ثَقُل قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَاحْمِلُونِي، فَإِذَا صَافَقْتُمُ الْعَدُوَّ فَادْفِنُونِي تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلَا مَا حَضَرَنِي لَمْ أُحَدِّثْكُمُوهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» .. رواه أحمد وابن سعد في الطبقات عن أبي ظبيان بإسناد صحيح .. وعن أبي ظبيان؛ قال: (أوصى أبو أيوب أن يدفن إلى جانب القسطنطينية، فناهضنا المدينة حتى دنونا منها، ثم دفناه حتى أقدامنا) ".