وقد رواه حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَسْلَمُ أَبُو عِمْرَانَ، مَوْلًى لِكِنْدَةَ قَالَ: "كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا، مِنَ الرُّومِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِثْلُهُ، أَوْ أَكْثَرُ ... الحديث.
وهذا الحديث يدل على فضل من يغزو البحر كما في حديث أم حرام رضي الله عنها، وليس فيه دلالة على فضل القسطنطينية (اسطنبول)؛ والصحابة كانوا حريصين على فتح كل البلاد وليس فقط القسطنطينية!
وكون أبي أيوب رضي الله عنه دُفن على أسوار القسطنطينية لا يعني أن ذلك فضيلة لتلك المدينة!! فالصحابة رضوان الله عليهم ماتوا بالآلاف في كثير من البلاد، ولم يقل أحد من أهل العلم أن فلانا من الصحابة إذا مات في بلد ما فهذا يدل على فضل ذلك البلد، ويدخل ذلك في أحاديث فضائلها!!
ويكفي هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم وموتهم خارج المدينة حرصهم على نشر الدين ومشاركتهم في الجهاد والفتوحات.
والروايات الأخرى التي ذكرها ابن عبيسان في هذا الباب كلها في مشاركة أبي أيوب رضي الله عنه في غزو القسطنطينية.
وذكر في آخر الباب: "وعن محمد بن عمر، قال: (آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي أيوب، وبين مصعب بن عمير، وشهد أبو أيوب بدرا، وأحدا، والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي عام غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في خلافة أبيه معاوية سنة اثنتين وخمسين، وقبره بأصل حصن القسطنطينية بأرض الروم فيما ذكر يتعاهدون قبره، ويزورونه ويستسقون به إذا قحطوا) رواه الحاكم في صحيحه" .. وقال في الحاشية: "وقد ظل قبره مشهورا معروفا منذ دفنه؛ وشاهده كثير ممن زاروا القسطنطينية من أهل الإسلام، كما ذكر ذلك المؤرخون المسلمون الذين ينتابونها، فقد روى الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناد صحيح من تاريخ يعقوب بن سفيان البسوي (12) إلى الوليد بن مسلم قال: (حدثنا ابن جابر: أن أبا أيوب لم يقعد عن الغزو في زمان عمر، وعثمان، ومعاوية، وأنه توفي في غزاة يزيد بن معاوية بالقسطنطينية. قال الوليد: فحدثني شيخ من أهل فلسطين أنه رأى بنية بيضاء دون حائط القسطنطينية، فقالوا: هذا قبر أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيت تلك البنية، فرأيت قبره في تلك البنية، وعليه قنديل معلق بسلسلة .. " إلخ.
(12) كذا ورد في أربعينيته المزعومة، هذه النسبة الى بلدة بفارس يقال لها بسا، وإليها يُنسب البساسيري، وبالعربية فسا، والنسبة بالعربية إليها: فسوي، وهذا هو المشهور في استعمال العلماء.
قلت: هذا تدليس واضح!! لأنه لم يبين من هو: «محمد بن عمر»!!! لأنه لو قال بأنه هو «الواقدي» لرد كلامه! لأنه متهم بالكذب!!
نعم جاء في رواية الحاكم من طريق سُلَيْمَان بن دَاوُدَ قال: حدثنا محمد بن عمر .. ! لكن لأنه اختصر الإسناد وقال: "وعن محمد بن عمر" كان ينبغي عليه أن يبين أنه هو الواقدي.
ثم تدليسه الآخر قوله: "رواه الحاكم في صحيحه"!!!
ليلبس على القارئ أنه قد صح!! فعادة الحاكم يحكم على الروايات ولكن في الكلام التاريخي والأخبار غالبا لا يحكم!
فها هنا كلام الواقدي وهو في مجمله صحيح، لكن وقع خطأ في هذه الرواية فيما يتعلق بتعاهد قبر أبي أيوب وزيارته والاستسقاء به!!
أي توحيد هذا عند ابن عبيسان بنقله هذا الضلال المبين والافتخار به وجعله من المناقب! استسقاء بصاحب قبر!
ورواية سليمان بن داود وهو الشَّاذَكُوْنِيُّ أَحَدُ الهَلْكَى عن الواقدي خطأ!
والصواب ما رواه عنه تلميذه الملازم له الحافظ ابن سعد في «طبقاته» (3/ 370) عنه قال: "فَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرُّومَ يَتَعَاهَدُونَ قَبْرَهُ وَيَرُمُّونَهُ وَيَسْتَسْقُونَ بِهِ إِذَا قَحَطُوا". فالواقدي لم يجزم بهذا، وإنما بلغه ذلك!