ثم ساقه من طريق أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام: أنه سمع أبا سلام: حدثني أبو همام الشعباني أنه كان مرابطا بتورس، وكان فينا رجل من خثعم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا أدلجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلين إلى تبوك، فذكر الحديث.
قلت: فالحديث يرويه أبو سلام عن أبي همام، وقد دلسه يحيى بن أبي كثير! وكان يحيى أخذ كتاب زيد بن سلام عن جده أبي سلام، وكان يدلس من حديثه، وهذا منها.
فالصحيح أن أبا همام هذا مجهول ولا يعرف، ولم يرو عنه أحد سوى أبي سلام.
ولهذا لما ذكره ابن عساكر في «تاريخه» قال: "أبو همام الشعباني، من أهل دمشق. روى عن رجل من خثعم له صحبة. روى عنه أبو سلام الدمشقي".
فلم يذكر في الرواة عنه إلا أبا سلام.
وقد ذكر أبو نعيم الأصبهاني هذا الرجل الذي جاء فيه أن له صحبة في «معرفة الصحابة» (6/ 3110) وساق حديثه من طريق مسند أحمد، ثم قال: "ورَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي هَمَّامٍ، نَحْوَهُ".
والحديث حكم عليه أبو حاتم الرازي بالنكارة!!
قال ابن أبي حاتم في «العلل» (3/ 378): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ الحُسَين بن عيسى - أخو سُلَيم بنِ عِيسَى القَارِئ -، عَنْ مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكرمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قال: بينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبوك يَسيرُ لَيْلا؛ إِذْ تقدَّم الناسَ، ثُمَّ وقَفَ لَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ، ثُمَّ قَالَ: أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ الكَنْزَيْنِ، قِيلَ: يَا رسولَ اللَّهِ، وَمَا الكَنْزَان ِ؟ قال: فَارِسُ وَالرُّومُ، وَأُمِدْتُ بِالمُلُوكِ - مُلُوكِ حِمْيَرَ - يُجَاهِدونَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَيَأخُذُونَ فِي اللهِ؟
قَالَ أَبِي: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ".
قلت: أخطأ في إسناده الحسين بن عيسى الحنفي، فرواه عن عكرمة عن ابن عباس! والصواب عن يحيى بن أبي كثير عن أبي همام.
قال أبو حاتم عن الحسين بن عيسى: "ليس بالقوي روى عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة".
وقال أبو زرعة الرازي: "الحسين بن عيسى منكر الحديث".
والعجب من حاكم كيف يستشهد برواية الواقدي ليعضد رأيه!! فالواقدي نفسه متّهم!
وأحداث غزوة تبوك قال فيها الوَاقِدِيّ: "حَدّثَنَا عُمَرُ بنُ عُثْمَان بن عبدالرحمن بن سَعِيدٍ، وعَبْدُاللهِ بنُ جَعْفَرٍ الزّهْرِيّ، ومُحَمّدُ بنُ يَحْيَى، وابنُ أَبِي حَبِيبَةَ، وَرَبِيعَةُ بنُ عُثْمَانَ، وعَبْدُالرّحْمَنِ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ بنِ أبى قتادة، وعبد الله ابن عَبْدِالرّحْمَنِ الجُمَحِيّ، وعُمَرُ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ أَبِي حَثْمَةَ، ومُوسَى بنُ مُحَمّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ، وعَبْدُالحَمِيدِ بنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، وَأَيّوبُ بْنُ النّعْمَانِ، فَكُلّ قَدْ حَدّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنْ حَدِيثِ تَبُوكَ، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ قَدْ حَدّثَنِي مِمّنْ لَمْ أُسَمّ، ثِقَاتٌ، وَقَدْ كَتَبْت كُلّ مَا قَدْ حَدّثُونِي".
فكيف نثق بما يذكره الواقدي عن هؤلاء! وكيف رواه عنهم!! ويكفي أن شيخه: موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي منكر الحديث!!!
فأي حُسن هذا الذي يتحدث عنه حاكم بن عبيسان؟!!
·…قبوله لرواية كعب الأحبار!!
معظم الآثار التي أوردها من كتاب «الفتن» لنعيم بن حماد من رواية كعب الأحبار!
ففي أحاديث كثيرة ذكرها كان يقول: "رواه نعيم في الفتن بإسناد حسن عن كعب".
وكعب الأحبار لا يُحتج به؛ لأنه راوية أهل الكتاب، وما يرويه فيه كثير من النكارة!!!
والعجيب أن حاكم بن عبيسان يحتج بما يرويه كعب هنا! ويضعّفه في بحوثه الأخرى!! كما في بحثه حول أثر (إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد)، ففي هذا البحث يطعن في بعض المرويات بأنها من كلام كعب، وحين جاءت رياح كعب على هوى ملاح إسطنبول قبل ابن عبيسان مروياته وصارت عمدة وأصلا!!