قال حاكم (ص 16): "كما لا يشترط في المتواتر الروائي على الصحيح أن يكون كله مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل يضم الموقوف فيه عن الصحابة إلى المرفوع في إفادة المجموع العلم القطعي بثبوته عن الشارع؛ كما قال الإمام أحمد عن المسح على الخفين (ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن أصحاب رسول الله ما رفعوا إليه وما وقفوا) ".
قلت: لا شك أن الموقوف يؤيد المرفوعَ ويثبته، والتمثيل هنا بقول أحمد في المسح على الخفين يختلف عما يريده حاكم.! فالموقوف هو فعل فعله الصحابة رضي الله عنهم بناء على ما رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم تكلم على أحاديث الفتن بكلام إنشائي لا يستحق الرد عليه! لأنه بناه على تخيلات وهلوسات وتعصب وهوى.
وقد بنى كتابه على أمور واهية من أجل إشباع رغبته - في هذا الجزء الحديثي كما سمّاه - للرفع من مكانة الأتراك ومدينة أسطنبول!!
وينقل هذه المصادفة في (ص 17) فيقول: "ومن لطيف ما وقع لي في هذا التصنيف أني أردته جزءا أربعينيا، ولم يكن يخطر على البال أن يكمل أربعين حديثا مرفوعا مقبولا، وقلت: سأكمله بالآثار عن التابعين، فما زلت أجمع ما ورد من الأخبار ولا أعدها؛ حتى لم يبق حديث على شرط هذه الرسالة إلا جمعته في مسودتها، ثم ما زلت أحذف منها وأحررها؛ حتى إذا كانت المراجعة الأخيرة، وأخذت أرقمها من جديد ولا أعرف كم سيكون ما بقي منها بعد التمحيص؛ فإذا آخر حديث منها هو الأربعون تماما بلا زيادة ولا نقص! "!!
قلت: وهذا من هوس حاكم بن عبيسان!! فهذه الأربعين ليست مرفوعة كلها! وليست مقبولة بحسب ما أراد!
·…أقسام الأحاديث في كتاب حاكم بن عبيسان!
والأحاديث التي أوردها في أربعينيته المزعومة تقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أحاديث صحيحة من صحيحي الإمامين البخاري ومسلم، لكن لا دلالة فيها على مقصوده، ولا تعلق بما يسمى بفضائل إسطنبول!
القسم الثاني: أحاديث ضعيفة ومنكرة معلولة!! صححها هو بالنظر إلى ظواهر الأسانيد معتمدا على تصحيحات الحاكم والهيثمي والسيوطي!
القسم الثالث: أحاديث من رواية أهل الكتاب كمرويات كعب الأحبار وابن امرأته تُبيع الحميري (4)!!
(4) وقد روى البخاري عن حُمَيْد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنه سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ كَعْبَ الأَحْبَارِ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلاَءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ». وقد اختلف العلماء في تفسير ذلك!! لكن الواضح في عبارته اتهامه بالكذب!! وعلى أي حال فما يرويه فيه كذب كثير ولسنا بحاجة له .. وسأفرد الحديث عنه في بحث خاص أبين حاله! لأني رأيت بعض من يشتغل بالحديث كتب في توثيقه وعدالته!!!
فأما القسم الأول:
فالأحاديث التي يوردها من صحيحي البخاري ومسلم وهي على قلتها لا دلالة فيها على فضل القسطنطينية لا من قريب ولا من بعيد!! وعادة حاكم بن عبيسان تهويل الأمر لمصادرة عقل القارئ والتشغيب عليه .. !
بل إنه أقحم فيها كل لفظ ذكر في "الروم" وحمله على القسطنطينية!!!
وهذا تدليس واضح! فالمقصود في فتح الروم أرض الشام عموما وهذا ما نطقت به الأحاديث، فقيصر كان بالشام، كما ورد في الحديث الذي ذكره حاكم (ص 61): "فدفعه دحية الكلبي إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله عز وجل لما أبلاه الله، فلما جاء قيصر بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال حين قرأه: التمسوا لي ههنا أحدا من قومه لنسأله عن هذا الرجل! "
بل تجده يفرق بين قيصر وبين هرقل!!!
فأورد في الباب الأول (ص 61): "باب: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قيصر القسطنطينية إلى الإسلام ونهيه عن إكراه قومه، ويقين هرقل بنبوته وبظهور الإسلام على مملكته وعلى الأرض كلها"، ثم ذكر الحديث المشهور: "عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر عن يدعوه إل الإسلام، وبعث بكتابه مع دحية الكلبي، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه إل عظيم بصرى [الشام] ليدفعه إل قيصر، فدفعه دحية الكلبي إل عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر .. ".