وقوله: ﴿وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب﴾ [الأحزاب: 20] يقول تعالى ذكره: وإن يأت المؤمنين الأحزاب وهم الجماعة: واحدهم حزب ﴿يودوا﴾ [الأحزاب: 20] يقول: يتمنوا من الخوف والجبن أنهم غيب عنكم في البادية مع الأعراب خوفا من القتل. وذلك أن قوله: ﴿لو أنهم بادون في الأعراب﴾
[الأحزاب: 20] تقول: قد بدا فلان إذا صار في البدو فهو يبدو، وهو باد؛ وأما الأعراب: فإنهم جمع أعرابي، وواحد العرب عربي، وإنما قيل أعرابي لأهل البدو، فرقا بين أهل البوادي والأمصار، فجعل الأعراب لأهل البادية، والعرب لأهل المصر.
وقوله: ﴿يسألون عن أنبائكم﴾ [الأحزاب: 20] يقول: يستخبر هؤلاء المنافقون أيها المؤمنون الناس عن أنبائكم، يعني عن أخباركم بالبادية، هل هلك محمد وأصحابه؟ نقول: يتمنون أن يسمعوا أخباركم بهلاككم، أن لا يشهدوا معكم مشاهدكم. ﴿ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا﴾ [الأحزاب: 20] يقول تعالى
ذكره للمؤمنين: ولو كانوا أيضا فيكم ما نفعوكم، وما قاتلوا المشركين إلا قليلا. يقول: إلا تعذيرا، لأنهم لا يقاتلونهم حسبة ولا رجاء ثواب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني PageEndV19P058 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " ﴿يسألون عن أنبائكم﴾ [الأحزاب: 20] قال: أخباركم ". وقرأت قراء الأمصار جميعا سوى عاصم الجحدري: ﴿يسألون عن أنبائكم﴾ [الأحزاب: 20] بمعنى: يسألون من قدم عليهم من الناس عن أنباء عسكركم وأخباركم، وذكر عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ ذلك: (يساءلون) بتشديد السين، بمعنى: يتساءلون: أي يسأل بعضهم بعضا عن ذلك. والصواب من القول في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة من القراء عليه.