تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38.65-76

ما أنا إلا منذر لا أدعوكم إلى نفسي ولا أقدر على هدايتكم لأني فان عن نفسي وعن قدري، قائم في الإنذار بالله وصفاته.

﴿ وما من إله ﴾ في الوجود ﴿ إلا الله الواحد ﴾ بذاته ﴿ القهار ﴾ الذي يقهر كل من سواه بإفنائه في وحدانيته ﴿ رب ﴾ الكل الذي يرب كل شيء في حضرة واحديته باسم من أسمائه ﴿ العزيز ﴾ الذي يغلب المحجوب بقوته فيعذبه بما حجب به في سترات جلاله لاستحقاقه فيض الربوبية من حضرة القهار المنتقم وسطوات العذاب المحتجب ﴿ الغفار ﴾ الذي يستر ظلمات صفات النفس بأنوار تجليات جماله لمن بقي فيه نور فطرته فيقبل نور المغفرة لبقاء مسكة من نوريته ﴿ قل هو ﴾ أي: الذي أنذرتكم به من التوحيد الذاتي والصفاتي ﴿ نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ﴾ ثم احتج على صحة نبوته باطلاعه على اختصام الملأ الأعلى من غير تعلم إذ لا سبيل إليه إلا الوحي، وفرق بين اختصام الملأ الأعلى واختصام أهل النار بقوله في تخاصم أهل النار: إن ذلك لحق، وفي اختصام الملأ الأعلى ﴿ إذ يختصمون ﴾ لأن ذلك حقيقي لا ينتهي إلى الوفاق أبدا، وهذا عارضي نشأ من عدم اطلاعهم على كمال آدم عليه السلام الذي هو فوق كمالاتهم. وانتهى إلى الوفاق عند قولهم:

سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ

[البقرة، الآية: 32]، وقوله تعالى:

ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض

[البقرة، الآية: 33] على ما ذكر في سورة (البقرة) عند تأويل هذه القصة. وسجودهم لآدم عليه السلام: تعظيمهم له وانقيادهم وخضوعهم لانكشاف كماله الذي هو فوق كمالاتهم عليهم السلام، وإباء إبليس واستكباره: عدم انقياد شيطان الوهم وإذعانه لاحتجابه عن حقيقته بانطباعه في المادة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وكان من الكافرين ﴾ [ص، الآية: 74].

﴿ لما خلقت بيدي ﴾ أي: خلقته بصفتي الجمال والجلال والقهر واللطف وجميع أسمائي المتقابلة المندرجة تحت صفتي القهر والمحبة لتحصل عند الجمعية الإلهية في الحضرة الواحدية بخلاف حال الملأ الأعلى، فإن من خلق منهم بصفة القهر لا يقدر على اللطف وبالعكس ﴿ أستكبرت ﴾ أي: أعرض لك التكبر والاستنكاف ﴿ أم كنت ﴾ عاليا عليه، زائدا في المرتبة؟ فأجاب المحجوب: بأني عال خير منه في الأصل لعدم اطلاعه على حقيقته المجردة واطلاعه على بشريته، ولا شك أن الروح الحيواني الناري الذي خلق منه اللعين أشرف من المادة الكثيفة البدنية ولكن الاحتجاب عن الجمعية الإلهية واللطيفة الروحانية بعث اللعين على الإباء حتى تمسك بالقياس وعصى الله في سجود الناس.

تفسير القرآن · الصفحة ٤٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٤٦٦