38.21-26
ثم بين تلوينه وظهور نفسه في زلته، وتبيينه الحق بالعتاب على خطيئته وتأديبه إياه وتداركه بتوبته بقوله: ﴿ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ﴾ ﴿ وظن ﴾ أي: تيقن ﴿ داود أنما ﴾ ابتليناه بامرأة أوريا ﴿ فاستغفر ربه ﴾ بالتنصل عن ذنبه بالافتقار والالتجاء إليه في المجاهدة وكسر النفس وقمعها بالمخالفة ﴿ وخر ﴾ بمحو صفات النفس ﴿ راكعا ﴾ فانيا في صفات الحق ﴿ وأناب ﴾ إلى الله بالفناء في ذاته ﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ التلوين بستر صفاته بنور صفاتنا ﴿ وإن له عندنا لزلفى ﴾ بالوجود الحقاني الموهوب حال البقاء بعد الفناء ﴿ وحسن مآب ﴾ لاتصافه حينئذ بصفاتنا لا بأنائيته ليلتحق بنا ويحكم بأحكامنا في محل الخلافة الإلهية، كما قال: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ﴾ بالحكم ﴿ الحق ﴾ لا بنفسك ليكون عدلا لا جورا ﴿ ولا تتبع الهوى ﴾ بظهور النفس فتجور ضالا عن سبيل الحق إلى سبيل الشيطان.
38.27-33
﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ﴾ خلقا ﴿ باطلا ﴾ لا حق فيها، بل حقا محتجبا بصورها لا وجود لها بنفسها فتكون باطلا محضا.
﴿ ذلك ظن ﴾ المحجوبين عن الحق بمظاهر الكون ﴿ فويل ﴾ لهم من نار الحرمان والاحتجاب والتقلب في نيران الطبيعة والأنائية بأشد العذاب.
بل لم نجعل ﴿ الذين آمنوا ﴾ بشهود جماله في مظاهر الأكوان ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ من الأعمال المقصودة بذاتها، المتعلقة بصلاح العالم، الصادرة عن أسمائه ﴿ كالمفسدين ﴾ المحجوبين الفاعلين بأنفسهم وصفاتهم الأفعال البهيمية والسبعية والشيطانية في أرض الطبيعة ﴿ أم نجعل المتقين ﴾ المجردين عن صفاتهم ﴿ كالفجار ﴾ المتلبسين بالغواشي النفسانية والشيطانية في أعمالهم ﴿ ليدبروا آياته ﴾ بالنظر العقلي ما داموا في مقام النفس، فينخلعوا عن صفاتهم في متابعة صفاته ﴿ وليتذكر ﴾ حال العهد الأول والتوحيد الفطري عند التجرد ﴿ أولو ﴾ الحقائق المجردة الصافية عن قشر الخلقة.
ثم ذكر تلوين سليمان وابتلاءه تأكيدا لتثبيته، وتقوية له في استقامته وتمكينه ﴿ نعم العبد ﴾ لصلاحية استعداده للكمال النوعي الإنساني وهو مقام النبوة ﴿ إنه أواب ﴾ رجاع إلي بالتجريد.
﴿ إذ عرض عليه بالعشي ﴾ وقت قرب غروب شمس الروح في الأفق الجسماني بميل القلب إلى النفس وظهور ظلمتها بالميل إلى المال واستيلاء محبة الجسمانيات واستحسانها، كما قال الله تعالى:
زين للناس حب الشهوات
[آل عمران، الآية: 14] إلى قوله: ﴿ والخيل المسومة والأنعام والحرث ﴾. فإن الميل إلى الزخارف الدنيوية والمشتهيات الحسية وهوى اللذات الطبيعية والأجرام السفلية يوجب إعراض النفس عن الجهة العلوية، واحتجاب القلب عن الحضرة الإلهية ﴿ الصافنات الجياد ﴾ التي استعرضها وانجذب بهواها وأحبها ﴿ فقال إني أحببت حب الخير ﴾ أي: أحببت منيبا حب المال ﴿ عن ذكر ربي ﴾ مشتغلا به لمحبتي إياه كما يجب لمثلي أن يشتغل بربه ذاكرا محبا له، فاستبدلت محبة المال بذكر ربي ومحبته فذهلت عنه ﴿ حتى توارت ﴾ شمس الروح بحجب النفس ﴿ ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ﴾ أي: يمسح السيف مسحا بسوقها يعرقب بعضها وينحر بعضها، كسرا لأصنام: النفس التي تعبدها بهواها وقمعا لسورتها وقواها، ورفعا للحجاب الحائل بينه وبين الحق واستغفارا وإنابة إليه بالتجريد والترك.