تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.124-130

﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ بالتوجه إلى العالم السفلي بالميل النفسي، ضاقت معيشته لغلبة شحه وشدة بخله، فإن المعرض عن جناب الحق ركدت نفسه وانجذبت إلى الزخارف الدنيوية والمقتنيات المادية لمناسبتها إياها، واشتد حرصه وكلبه عليها ونهمه وشغفه بها لقوة محبته إياها للجنسية والاشتراك في الظلمة والميل إلى الجهة السفلية، فيشح بها عن نفسه وغيره، وكلما استكثر منها ازاد حرصه عليها وشحه بها وذلك هو الضنك في المعيشة. ولهذا قال بعض الصوفية: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وتشوش عليه رزقه. بخلاف الذاكر المتوجه إليه فإنه ذو يقين منه وتوكل عليه في سعة من عيشه ورغد، ينفق ما يجد ويستغنى بربه عما يفقد.

﴿ ونحشره يوم القيامة ﴾ الصغرى على عماه من نور الحق كقوله:

ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى

[الإسراء، الآية:72] وإنكاره لعماه إنما يكون بلسان الاستعداد الأصلي والنور الفطري المنافي لعماه من رسوخ هيئة الحب السفلي والعشق النفسي بالفسق الجرمي ونسيان الآيات البينات والأنوار المشرقات الموجب لإعراضه تعالى عنه وتركه فيما هو فيه ﴿ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ﴾ من ضنك العيش في الدنيا لكونه روحانيا دائما.

﴿ ولولا كلمة سبقت ﴾ أي: قضاء سابق أن لا يستأصل هذه الأمة بالدمار والعذاب في الدنيا لكون نبيهم نبي الرحمة، وقوله:

وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم

[الأنفال، الآية:33] لكان الإهلاك لازما لهم. ﴿ فاصبر ﴾ بالله.

﴿ على ما يقولون ﴾ فإنك تراهم جارين على ما قضى الله عليهم، مأسورين في أسر قهره ومكره بهم ﴿ وسبح ﴾ أي: نزه ذاتك بتجريدها عن صفاتها متلبسا بصفات ربك، فإن ظهورها عليك هو الحمد الحقيقي ﴿ قبل طلوع ﴾ شمس الذات حال الفناء ﴿ وقبل غروبها ﴾ باستتارها عند ظهور صفات النفس، أي: في مقام القلب حال تجلي الصفات، فإن تسبيح الله هناك محو صفات القلب ﴿ ومن آناء الليل ﴾ أي: أوقات غلبات صفات النفس المظلمة والتلوينات الحاجبة ﴿ فسبح ﴾ بالتزكية ﴿ وأطراف ﴾ نهار إشراق الروح على القلب بالتصفية ﴿ لعلك ﴾ تصل إلى مقام الرضا الذي هو كمال مقام تجلي الصفات وغايته.

تفسير القرآن · الصفحة ٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٣٥٥