5.55-64
﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ والمؤمنون لا هم للتنافي الحقيقي بينكم وبينهم، أي: يتولى الله ورسوله والمؤمنون إياكم أو لا يتولى الله وأولياءه من الرسول والمؤمنين المحجوبون للتضاد الحقيقي بينهم، إنما تتولون الله ورسوله والذين آمنوا أنتم. جمع أولا في إثبات ولايتهم لله مطلقا ثم فصلها بحسب الظاهر، فقال: ﴿ ورسوله والذين آمنوا ﴾ ، كما فعل في الشهادة في قوله تعالى:
شهد الله أنه لا إله إلا هو
[آل عمران، الآية: 18].
﴿ الذين ﴾ آمنوا ﴿ يقيمون ﴾ صلاة الشهود والحضور الذاتي ﴿ ويؤتون ﴾ زكاة البقايا ﴿ وهم راكعون ﴾ خاضعون في البقاء بالله بنسبة كمالاتهم وصفاتهم إلى الله كأمير المؤمنين عليه السلام النازل في حقه هذا القائل: لا إله إلا الله بعد فناء الخلق، لا منتصبون في مقام الطغيان بنسبتها إلى أنفسهم. ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ فهو من أهل الله، وإن أهل الله ﴿ هم الغالبون ﴾ بالله.
﴿ وترى كثيرا منهم يسارعون ﴾ أي: يقدمون على جميع الرذائل بالسرعة لاعتيادهم بها وتدربهم فيها وكونها ملكات لنفوسهم فالإثم رذيلة القوة النطقية لأنه الكذب، والعدوان رذيلة القوة الشهوية.
5.65-71
﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا ﴾ آمنوا الإيمان التوحيدي الحقيقي ﴿ واتقوا ﴾ واجتنبوا عن شرك أفعالهم وصفاتهم وذواتهم ﴿ لكفرنا عنهم سيئاتهم ﴾ من بقاياهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ الجنات الثلاث ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة ﴾ بتحقق علوم الظاهر والقيام بحقوق تجليات الأفعال والمحافظة على أحكامها في المعاملات ﴿ والإنجيل ﴾ بتحقق عنوان الباطن، والقيام بحقوق تجليات الصفات، والمحافظة على أحكامها ﴿ و ﴾ احكموا ﴿ ما أنزل إليهم ﴾ من علم المبدأ والمعاد وتوحيد الملك والملكوت من عالم الربوبية الذي هو عالم الأسماء ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ أي: لرزقوا من العالم العلوي الروحاني العلوم الإلهية والحقائق العقلية اليقينية، والمعارف الحقانية التي بها اهتدوا إلى معرفة الله ومعرفة الملكوت والجبروت ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ أي: من العالم السفلي الجسماني العلوم الطبيعية والمدركات الحسية التى اهتدوا بها إلى معرفة عالم الملك، فعرفوا الله باسمه الظاهر والباطن، بل بجميع الأسماء والصفات ووصلوا إلى مقام التوحيدين المذكورين ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ عادلة واصلة إلى توحيد الأسماء والصفات ﴿ وكثير منهم ﴾ لم يصلوا إلى توحيد الأفعال بعد فضلا عن توحيد الصفات، فساء عملهم لأنه من صفات نفوسهم فهو حجابهم الأكثف.
﴿ وأرسلنا إليهم رسلا ﴾ على حسب مراتبهم فلما كانوا محجوبين من جميع الوجوه أرسلنا موسى لرفع حجاب الأفعال والدعوة إلى توحيد الملك، فما هوته أنفسهم لأن دعوته كانت مخالفة لهواها لضراوتها بأفعالها وبتجمعها بها وبلذاتها وشهواتها فكذبوه وعبدوا عجل النفس واعتدوا في السبت وفعلوا ما فعلوا حتى إذا آمن به من آمن وبرز من حجاب الأفعال حسب أنه الكمال المطلق، فأرسلنا عيسى برفع حجاب الصفات والدعوة إلى الباطن، وتوحيد الملكوت فما هوته أنفسهم لمخالفة دعوته هواها من حسبان الكمال، فكذبوه وفعلوا ما فعلوا حتى إذا آمن به من آمن وبرز عن حجاب الصفات بقي على حاله، حاسبا لنفسه الكمال المطلق فأرسلنا محمدا برفع حجاب الصفات والدعوة إلى توحيد الذات فما هوته أنفسهم فكذبوه.
﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ شرك عند توحيد الأفعال وظهور الدعوة العيسوية ﴿ فعموا ﴾ عن تجليات رؤية الصفات ﴿ وصموا ﴾ عن سماع علمها ﴿ ثم تاب الله عليهم ﴾ بفتح أسماع قلوبهم وأبصارها، فتابوا، فقبل توبتهم ﴿ ثم عموا وصموا ﴾ عند الدعوة المحمدية عن مشاهدة الوجه الباقي وسماع علم توحيد الجمع المطلق ﴿ والله بصير ﴾ بعملهم في المقامات الثلاث ورد الدعوات وإنكار الأنبياء فيجازيهم على حسب حالهم.