وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه..
[الكهف: 29]. ثم يبين أثر هذا الماء الحميم ﴿ فقطع أمعآءهم ﴾ [محمد: 15] وليتها قطعت وانتهت المسألة، إنما هم في عذاب مقيم دائم لا يفتر عنهم.
كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب..
[النساء: 56] والأمعاء جمع معى بكسر الميم، وقد ورد في الحديث الشريف قول سيدنا رسول الله:
" المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء "
يعني: المؤمن يأكل على قدر حاجته أو في أكله وفي طعامه بركة، أما الكافر فيأكل حتى تمتلىء بطنه.
47.16
قوله تعالى: ﴿ ومنهم.. ﴾ [محمد: 16] ممن؟ ستعرف بعد أن تقرأ أوصافهم ﴿ من يستمع إليك.. ﴾ [محمد: 16] يستمع إلى رسول الله وهو يقرأ القرآن ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك.. ﴾ [محمد: 16] يا محمد ﴿ قالوا للذين أوتوا العلم.. ﴾ [محمد: 16] أمثال ابن مسعود وابن عباس ﴿ ماذا قال آنفا.. ﴾ [محمد: 16] يعني: ما الجديد فيما قاله محمد، كأنهم يحتقرون ما سمعوه من رسول الله. هذه إذن ليست صفات الكافرين، لأن الكافرين لم يكونوا يستمعون للقرآن، إنما هي صفات المنافقين الذين كانوا يشاركون المسلمين صلاتهم ومجالسهم ويذوبون فيهم بخبث ودهاء، لكن كان القرآن ينزل على رسول الله فيكشفهم. لذلك كان النفاق أسوأ وأضر على المسلمين من الكفر، فالكافر معلوم أنه عدو ظاهر العداوة، ويمكن أن تحتاط له، أما المنافق فواحد من الجماعة المسلمة يعلن الإسلام ويبطن الكفر، فعداوته غير ظاهرة وخطرة أعظم. والذي يتتبع تاريخ النفاق في الإسلام يجده لم يظهر في مكة إنما ظهر في المدينة، فرغم العداء الشديد بين الإسلام والكفار في مكة إلا أنه كان عداء ظاهرا معلنا يمكن مواجهته، فلم يوجد فيها نفاق، لم يظهر إلا في المدينة، لماذا؟ لأن النفاق لا يكون إلا مع القوي، فالضعيف لا ينافق الضعيف، تعلن العداء في وجهه، أما القوي فتنافقه لتتغلب عليه. إذن ما الداعي للنفاق في مكة والمسلمون فيها قلة مستضعفة، هذا يعني أن النفاق ظاهرة تدل على قوة الإيمان، وأنه أصبح له شوكة تنافق، وهذا حدث في المدينة. لذلك قال سبحانه وتعالى في حقهم:
ومن أهل المدينة مردوا على النفاق..
[التوبة: 101]. كلمة ﴿ يستمع.. ﴾ [محمد: 16] وردت هذه المادة في القرآن بلفظ: سمع واستمع وتسمع، سمع أي: دون إرادة منه للسماع، واستمع لمن يحب أن يسمع شيئا محبوبا لديه، أما تسمع ففيها تفعل وتكلف للسماع ومحاولة. إذن: قال: ﴿ ومنهم من يستمع إليك.. ﴾ [محمد: 16] يعني: برغبته وارادته وهو محب لأن يسمع، وهكذا كان حال المنافقين يجلسون في الصفوف الأولى ويبدون من الاهتمام ما لا يبديه غيرهم، فلا تفوتهم كلمة ولا تفوتهم صلاة ليحبكوا خطتهم ويخفوا نفاقهم. ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم.. ﴾ [محمد: 16] لأنهم سمعوا الكلام ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بمقتضاه، فكان الجزاء أن ختم الله على قلوبهم وطبع عليها، وكأن الله يقول لهم: ما دمتم أحببتم النفاق فسوف أزيدكم منه وأختم على قلوبكم حتى لا يخرج منها النفاق ولا يدخلها الإيمان. ﴿ واتبعوا أهوآءهم ﴾ [محمد: 16] الهوى أن يميل قلبك إلى شيء تعتقد أنه سار ومفرح لك، فرح عاجل ولذة وقتية دون النظر في العواقب بعد هذه اللذة.
إذن: اجعل لهواك ضوابط، واختر الهوى الأبقى أثرا والأدوم نفعا، اجعل هواك فيما ينفعك لا فيما يضرك، كالذي يأكل شطة مثلا، لأنها تجعل للأكل لذة وطعما هو يرغب فيه الآن حين يأكل، لكنه غفل عن مسألة إخراج هذا الطعام، وأنه سيجر عليه ألما يفوق لذة الأكل. إذن: على العاقل أن يتدبر عواقب هواه، ويحذر أن يميل به الهوى، لذلك يقول تعالى:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت والأرض..
[المؤمنون: 71]. والحق سبحانه أتى لنا بالمنهج ليحمينا من الهوى، لأن أهواء النفوس متضاربة ومتعارضة، فهي أداة اختلاف وتنافر، والله يريد لنا أن نتفق، وأن نتساند لا أن نتعاند. وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: