تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما..

[البقرة: 219]. فالمنافع لا قيمة لها إذا ما قورنت بالمضار والحرمة، صحيح هي تشعرك بشيء من النشوة أو السعادة، وتضحك وتفرح وتنسي همومك، لكنها بعد ذلك تغتال عقلك وتسلبك وقارك. فإذا أضفت إلى ذلك أنها محرمة، وأنها من أكبر الكبائر بان لك ضررها.

صحيح فيها ربح لمن يتاجر فيها، لكنه ربح حرام، لذلك جعل الله خمر الدنيا قليلة، أما خمر الآخرة فأنهار لأنها في الآخرة لذة للشاربين.

لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون

[الصافات: 47] يعني: لا تغتال العقل، ولا ينتج عن شربها أضرار، والنزف هو إخراج شيء من شيء كمن يقيئ مثلا بعد شربها، أو يصيبه دوار أو صداع. ﴿ وأنهار من عسل مصفى.. ﴾ [محمد: 15] إذن: ذكر الماء أولا لأهميته بالدرجة الأولى ثم اللبن، لأنه يحمل محمل الماء حتى يوجد الماء، وهو عنصر أساسي في الغذاء، ثم ذكر الخمر، لأن الإنسان بعد أن يأكل ويشرب يحتاج في كمال السعادة كأسا من هذه الخمر. أما العسل فيأتي في آخر هذه القائمة لأن الله تعالى قال فيه:

فيه شفآء للناس..

[النحل: 69] إذن: الميزة التي تميز العسل ليست في طعمه وحلاوته، بل في كونه شفاء، والجنة لا مرض فيها. إذن: يشرب في الجنة للذته وجمال طعمه. ومعنى: ﴿ مصفى.. ﴾ [محمد: 15] ليفرق بينه وبين عسل الدنيا الذي لا يخلو من شوائب، لأن الإنسان يجمعه من الجبال، فهي أول مسارح النحل

وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون

[النحل: 68]. والعالم الأمريكي الباحث في حياة النحل وجد أن نحل الجبال هو أقدم أنواع النحل، وما دام من الجبال فلا يخلو من شوائب، أما عسل الجنة فمصفى بقدرة الذي أعده سبحانه. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات.. ﴾ [محمد: 15] بعد أن ذكر الحق سبحانه ما في الجنة من السوائل يذكر ما فيها من الثمرات دون أن يسميها لأننا لا نعرفها. لذلك قال في آية آخرى:

وأتوا به متشبها..

[البقرة: 25] يعني: ثمار متشابهة، لكن مختلفة المذاق، حتى لما أعطانا مثالا بالعنب والعموميات، فهي في الجنة غير الذي نعرفه في الدنيا. وإذا كانت الثمار عندنا لها بيئات تجود فيها ولها مواسم، فثمار الجنة موجودة في كل الأوقات، فالبيئات في الدنيا من الأسباب، أما الآخرة فبالمسبب سبحانه. وقوله تعالى: ﴿ ومغفرة من ربهم.. ﴾ [محمد: 15] بعد أن أعطانا ربنا سبحانه لذة المادة والقالب في الجنة يعطينا لذة أعلى هي لذة نيل للمغفرة من الله كرما وتفضلا، لأنهم ما دخلوا الجنة إلا بالمغفرة، لكن قد يذكر أحدهم ذنبه فيقول له: أنت مغفور لك. وقد ورد في الحديث القدسي أنه بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة يسألهم رب العزة سبحانه:

" أرضيتم يا عبادي؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطينا كذا وكذا فيقول: الآن أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ".

ثم يضعنا الحق سبحانه أمام هذه المقارنة بين أهل الجنة وأهل النار، فيقول: ﴿ كمن هو خالد في النار وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم ﴾ [محمد: 15] يعني: أيهما أفضل، واحكم أنت وسنرتضي حكمك.

هذه هي الجنة أو مثل لها: أتستوي مع مقابلها وهو الخالد في النار؟ ﴿ وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم ﴾ [محمد: 15] فكما ذكر الماء أولا في الجنة ذكره أيضا أولا في النار والعياذ بالله. وكلمة ﴿ وسقوا.. ﴾ [محمد: 15] ولم يقل شربوا لأن الشرب طواعية واختيار، إنما ﴿ وسقوا.. ﴾ [محمد: 15] يعني: رغما عنهم ودون إرادتهم، مثل ما تعطي الولد الصغير الدواء فتسقيه له على كره منه. ﴿ مآء حميما.. ﴾ [محمد: 15] الماء معروف أنه يشرب للارتواء ويشرب باردا، أما ماء جهنم والعياذ بالله فهو حميم يعني: تناهت حرارته، فكيف بهم وهم في النار ويريدون أن يبردوا حرارة أجوافهم فيسقون الحميم الذي يزيدهم حرارة فوق حرارة النار. لذلك قال تعالى في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٢٠