تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعفوا عن كثير..

[المائدة: 15] وشرع لنا الكفارات، فالصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كلها مكفرات للذنوب وكأنها أوكازيونات للمغفرة حتى لا نيأس من رحمة الله، ولا نتمادى في المعصية. فالمغفرة للذنوب رحمة يرحم الله بها عباده حتى لا يدخلوا من باب اليأس وتنتشر المعصية وتستشري بين الناس. وقوله: ﴿ وأصلح بالهم ﴾ [محمد: 2] كل المفسرين يقولون يعني: أصلح حالهم كله النفسي والمعنوي والمادي، لكن فرق بين بال وحال: البال هو في الواقع الخاطر الذي يخطر في العقل، تقول: هذا الشيء في بالي يعني: في عقلي لا يفارقني، والإنسان عادة ما يشغل باله بالحالة التي هو فيها، فالطالب مثلا: يشغل باله بالنجاح والرسوب والكلية والعمل بعد التخرج، فمن أصلح الله باله انصلح حاله.

47.3

قوله تعالى: ﴿ ذلك.. ﴾ [محمد: 3] إشارة إلى الجزاء الذي تقدم جزاء الكافرين الذين أضل أعمالهم، وجزاء المؤمنين الذين كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم، هنا يبين علة ذلك وسببه، فالكافرون اتبعوا الباطل، والمؤمنون اتبعوا الحق، الباطل معدوم والحق ظاهر وثابت، فمن اتبع المعدوم ينعدم عنده كل خير، ومن اتبع الحق الثابت الموجود يوجد عنده كل خير. لكن لماذا اتبع أهل الباطل الباطل؟ اتبعوه لأنه ليس له تكاليف تقيد شهواتهم، وليس عنده محاذير ينبغي الوقوف عندها، البالطل يطلق للنفس العنان لتخوض في شهواتها وملذاتها ورغباتها. بالباطل يسرق ويعيش على عرق بل دماء الآخرين، بالباطل يحقد على غيره ويحسده ويقتله، أما الحق فيمنعك من هذا كله ويقيد عندك كل حركة منافية لمقتضيات الإيمان. وإلا لماذا عبدت الأصنام، وعبدت الشمس والقمر والنجوم؟ نعم هم يعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، لكن ليس لها تكاليف تقيدهم، لذلك عبدوها. وقوله تعالى: ﴿ كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ﴾ [محمد: 3] ضرب الأمثال لون من ألوان البيان لتوضيح المعنى في القرآن الكريم، ففي المسائل التي تقف فيها الأفهام يوضحها الحق سبحانه للناس بالمثل ليقربها للأذهان. كما ضرب لنا مثلا للذين يتخذون الشركاء مع الله، فقال سبحانه:

ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا..

[الزمر: 29]. وأنت حين تقرأ هذا المثل يتضح لك مغبة الشرك وسلامة التوحيد، فهما نقيضان لا يستويان، كما لا يستوي عبد لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما مختلفون فيما بينهم، بحيث لا يستطيع إرضاء أحد منهم، وآخر عبد لسيد واحد. وكما ضرب الله لنا مثلا لنوره أو لتنويره للكون في سورة النور:

الله نور السموت والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور..

[النور: 35]. ومن الأمثال التوضيحية:

مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون

[العنكبوت: 41].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥١١