47.38
قوله تعالى: ﴿ ها أنتم هؤلاء.. ﴾ [محمد: 38] ها أداة تنبيه لجذب الانتباه، وأنتم ضمير للخطاب، وهؤلاء إشارة لهذا المخاطب أنتم، فالمخاطب هو عين المشار إليه، إذن: جمعت الآية بين أدوات ثلاثة لتأكيد التنبيه ولمزيد الاهتمام. جاء ب هاء التنبيه لأن المتكلم حر يتكلم في الوقت الذي يريده فهو يملك زمام الأمر، أما المخاطب فلا يملك ذلك ولا يدري متى تتكلم ليسمع، لذلك نأتي بأداة التنبيه ليستعد ولا يفوته شيء من الكلام. فالحق سبحانه وتعالى يخاطبهم بكل هذه الأدوات ليؤكد نداءه لهم ودعوته لهم لينفقوا ﴿ تدعون لتنفقوا في سبيل الله.. ﴾ [محمد: 38] من الذي يدعو؟ الله يدعوهم لينفقوا. تأمل هنا كيف أن الحق سبحانه يحترم ويقدر مجهودات البشر؟ فرغم أنه هو سبحانه الخالق الرازق مسبب الأسباب منحك القوة التي تعمل بها، والعقل الذي تفكر به، والمادة التي تستعملها، ومع ذلك احترم دورك في أن توجه الطاقة المخلوقة لله في شيء نافع مفيد وقال لك: أنفق كأن المال مالك وهو يقترضه منك قرضا حسنا. كما أنك تعطي ابنك مصروفه اليومي فيدخره مثلا في حصالة، ثم يطرأ عليك ظروف تحتاج فيها ما في حصالة الولد. فتقول له: أعطني ما في الحصالة سلف وسوف أرده إليك لما أقبض. يقول تعالى:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له..
[البقرة: 245] فالحق سبحانه حرم الربا في التعامل بين البشر، لكن أحله لنفسه تعالى حين يقترض منهم، وهذا فضل وتكرم من الله على الخلق في الأولى وفي الآخرة. وقوله: ﴿ لتنفقوا في سبيل الله.. ﴾ [محمد: 38] في كل الوجوه التي يحبها الله في الإنفاق من خلقه لخلقه، وهو سبحانه قادر أن يغني الجميع فلا يحتاج أحد لأحد، إنما أراد سبحانه أن تتواصل القلوب وتتشابك المصالح ويترابط الخلق بمشاعر الإيمان، حيث يعطف الغني على الفقير، ولا يحقد الفقير على الغني، وحيث يرحم القوي الضعيف. لكن لما دعاهم الله للإنفاق كان منهم قسم يبخل ﴿ فمنكم من يبخل.. ﴾ [محمد: 38] وهؤلاء هم الذين لا يفهمون فلسفة التجارة مع الله ولا عاقبة الإنفاق، لا يعرفون أن النفقة بهذا الشكل تزيد المال ولا تنقصه، واقرأ:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون
[البقرة: 245]. الإنفاق في سبيل الله مثل رجل حصد القمح وأدخل المخزن عنده عشرة أرادب مثلا عندما يأخذ أردبا منها ليزرع به الأرض من جديد، هل يقول أن القمح نقص أردبا؟ لا لأنه سيأخذه مضاعفا. إذن: لا تنظر إلى ما يخرج لكن انظر أيضا إلى ما سيأتي لتكتمل الصورة ويكون الحساب صحيحا، حتى الربا في تعاملات الناس يعطيك بزياة خمسة أو عشرة في المائة.
أما ربك عز وجل فيعطيك سبعين أو سبعمائة أو أضعاف ذلك، واقرأ:
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم
[البقرة: 261]. لذلك وقف المستشرقون عند حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" مكتوب على باب الجنة أن الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر "
وقالوا: هذا مناقض للقرآن الذي يقرر أن الحسنة بعشر أمثالها، والواقع أنه لا يوجد بينهما تناقض أبدا، لأنني حين أخرج الدرهم قرضا يعطيني عشرة منها الدرهم الذي دفعته. إذن: أعطاني تسعة فحين تضاعف تكون ثمانية عشر. والحق سبحانه وتعالى لما حثنا على القرض علمنا كيف نتعامل مع المقترض، فقال:
وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون
[البقرة: 280]. فالمرحلة الأولى أن تنظره لحين يتيسر له السداد، ثم لك بعد ذلك أن تكمل إحسانك وتتسامح في هذا القرض أو بعضه على سبيل الصدقة، وهذا هو الخير لمن تتوق نفسه إلى معالي الأمور. ثم في قوله تعالى: ﴿ فمنكم من يبخل.. ﴾ [محمد: 38] إنصاف لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وبيان لشرفها، فالكثرة تنفق والقلة تبخل، في الأمة من أنفق كل ماله في سبيل الله، ومن أنفق شطر ماله في سبيل الله. وقد بلغ البذل والعطاء في هذه الأمة مبلغا لا مثيل له في التاريخ، حيث كان الأنصاري يقول لأخيه المهاجر: انظر إلى نسائي أيهن أعجبتك أطلقها لتتزوجها أنت، مع ما هو معلوم من مكانة المرأة خاصة عند الرجل، لكنها السماحة والتضحية. وفي المقابل تجد هذا الصحابي المهاجر، وهو سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يرفض هذا العرض السخي ويدعو لأخيه ويقول له: لا يا أخي، بارك الله لك في نسائك، لكن دلني على السوق. وذهب عبد الرحمن إلى السوق وتاجر، حتى كان أغنى صحابة رسول الله، حتى قالوا: إنه لو تاجر في التراب لربح فيه. وكان عنده ألف عبد، وجاء رجل يسأل أحدهم: ما حال ابن عوف فيكم؟ فقال: والله لو أقبلت علينا وهو معنا لا تعرفه من بيننا لأنه يلبسنا مما يلبس، ويطعمنا مما يأكل. فرغم ما ركز في النفس الإنسانية من حب المال وحب التملك إلا أنه يوجد من الناس من جبل على الجود والكرم، يعطي بلا حدود، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، انظر مثلا إلى كرم حاتم الطائي وهو يقول لغلامه: