تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

47.14

الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقرر هذه الحقيقة، لكن يأتي بالقضية على صورة سؤال: هل يستوي هذا وذاك ﴿ أفمن كان على بينة من ربه.. ﴾ [محمد: 14] يعني: على هدى وعلى حجة ونور من ربه. والرب هو الخالق وهو المربي، وما بالك بالتربية إن كانت من الله، لذلك قال صلى الله عليه وسلم في سياق بيان فضل ربه عليه:

" أدبني ربي فأحسن تأديبي ".

ومعنى ﴿ على بينة.. ﴾ [محمد: 14] على أمر واضح، ويقين ثابت، ومنهج مستقيم، يضمن له الخير في الدنيا والسلامة في الآخرة. هل يستوي هذا مع من زين له سوء عمله واتبع الشهوات والأهواء؟ لا بد أنك ستقول: لا يستويان. ومن أشد الفتن التي يقع فيها الإنسان أن يزين له هواه سوء عمله فيراه حسنا، والهوى هو الميل والرغبة التي تميل بك عن الطريق المستقيم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى، لذلك مدح الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

وما ينطق عن الهوى

[النجم: 3]. ثم يعود السياق مرة أخرى إلى ضرب الأمثال، فيقول سبحانه: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون... ﴾.

47.15

كلمة ﴿ مثل.. ﴾ [محمد: 15] تقال بكسر الميم، حينما تشبه مفردا بمفرد. تقول: هذا مثل هذا، وبالفتح حينما تشبه صورة لها أجزاء بصورة أخرى لها أجزاء، لذلك هنا يقول تعالى: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون.. ﴾ [محمد: 15] يفتح الميم، لأنها تمثل جمعا وصورة كلية لها عناصر وأجزاء متعددة. اقرأ قوله تعالى:

مثل الحياة الدنيا..

[الكهف: 45] أي: بما فيها من الميلاد إلى الموت

كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا

[الكهف: 45]. والمثل تشبيه تلحق فيه مجهولا لك بمعلوم عندك، لذلك سيدنا رسول الله لما سئل عن أوصاف سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام شبههما بما هو معلوم للصحابة، فقال: أما موسى فرجل طوال كأنه من رجال أزد شنوءة، وهي معروفة عندهم، وأما عيسى فكثير خيلان الوجه - يعني في وجهه حسنات كثيرة - يقطر وجهه ماء كأنما خرج من ديماس يعني: من حمام، وأشبهه من أصحابي عروة بن مسعود الثقفي، إذن: شبه المجهول بما هو معلوم. كذلك ضرب رسول الله لنا الأمثال ليوضح لنا أمور الدين، فقال في حديثه:

" أنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي ".

وكلمة ﴿ الجنة.. ﴾ [محمد: 15] في أصلها تعني الشيء المستور ومنها الجن، وجن الليل، حتى جنة الدنيا تحمل هذا المعنى، لأنها قطعة الأرض المليئة بالأشجار متشابكة الأغصان بحيث تستر وتخفي ما فيها، أو تجن صاحبها يعني تستره وتمنعه من الخروج منها حيث توفر له كل متطلبات حياته. والحق سبحانه ضرب المثل بها:

كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل..

[البقرة: 265]. وقال:

واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين...

[الكهف: 32]. والفرق بين الجنتين أن جنة الدنيا من صنع البشر ومباشرة الأسباب في الحرث والزرع، أما جنة الآخرة التي وعدها الله المتقين فهي قائمة بلا أسباب، قائمة بقدرة المسبب، لذلك حدث اختلاف في الجنة التي دخلها سيدنا آدم عليه السلام: أهي جنة الدنيا، أم جنة الآخرة؟ حينما نقرأ هذه القصة في كتاب الله نعلم أنها جنة الله جنة الآخرة، بدليل أنه لم يحرث فيها ولم يزرع، ولم يباشر أسبابا، إنما أكل مما أعده الله له، وكان في أمان ذاتي مدة إقامته على طاعة أمر الله في الأكل. فلما أغواه الشيطان أن يأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها حدث له تغير في الوضع الطبيعي الذي كان فيه، ورأى من نفسه مسألة الإخراج التي لم يألفها من قبل، وتنبه إلى عورته وراح يسترها بورق الأشجار هو وزوجه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥١٨