47.22-23
هذا استفهام من الله بهل، ورجاء من الله بعسى، والله لا يستفهم ليعلم إنما يستفهم ليقرر حقيقة واقعة. كلمة عسى فعل يدل على الرجاء وبعدها الشيء المرجو، والرجاء يكون لأمر محبوب متوقع الحدوث وممكن الحدوث، على خلاف التمني فهو لشيء محبوب، لكن مستحيل أن يتحقق كقول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما فعل المشيب
أما الرجاء فتقول: عسى إن ذاكرت أن تنجح، لكن يختلف الرجاء باختلاف القائل والمقول له، فعندما أقول لك: اذهب إلى فلان عسى أن يقضي حاجتك، أو عساني أفعل لك شيئا فالرجاء هنا في بشر، فإذا كان الرجاء في الله كان أقوى كأن تقول: عسى الله أن يغفر لي. فقوله تعالى: ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ [محمد: 22] لعلكم يحدث منكم هذا ويتوقع منكم، إذن: ظلوا على ما أنتم عليه من الإيمان والطاعة ولا تدخلوا من باب الذنوب والمعاصي. ﴿ إن توليتم.. ﴾ [محمد: 22] أي: أعرضتم عن الإيمان، أو توليتم بعض المناصب كالرئاسة مثلا تأتي لك بالمصيبة إليك. ﴿ أن تفسدوا في الأرض.. ﴾ [محمد: 22] يعني: مع الخلق جميعا ﴿ وتقطعوا أرحامكم.. ﴾ [محمد: 22] رقى المسألة إلى الأقارب والأرحام يعني: يتعدى فسادكم الناس جميعا إلى الأقارب والأرحام. أو نقول: ﴿ فهل عسيتم.. ﴾ [محمد: 22] ما الذي صرفكم عن الحق الذي جاء به محمد، ولماذا تضعون في طريقه العقبات؟، وأولها أن تسخروا منه، وأن تصفوه بما ليس فيه من قولكم: ساحر، وكاهن، وشاعر، وكذاب. ثم آذيتموه في نفسه بالسب وفي بدنه وفي أهله وفي أصحابه، بل بيتم له لتقتلوه، ما الذي جعلكم تفعلون ذلك؟ هل ظننتم ورجوتم أنكم إذا فعلتم ذلك تصبحون على حل شعوركم للإفساد في الأرض وقطع الأرحام. والحق سبحانه يريد أن يعلمنا أن الرسل لا تتدخل ولا تأتي السماء بمنهج جديد إلا إذا عم الفساد المجتمع كله، لأن الفساد له مراحل: أولها: فساد النفس وهذا له رادع من النفس اللوامة، وهي مناعة في النفس الإنسانية تعود بها إلى الجادة وتقوم سلوكياتها. فإذا فسدت النفس وتلاشى دور النفس اللوامة جاء دور الردع من المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يكن رادع من المجتمع وعم الفساد الجميع هنا تتدخل السماء برسول جديد يأتى بمعجزة ليقنع الناس ليؤمنوا بما جاءهم به. فأنتم حين توليتم عن الدعوة وأعرضتم عنها ووضعتم في طريقها العراقيل تنتظرون أن تظلوا على الفساد الذي نشأتم عليه في الأرض عموما أو في تقطيع الأرحام، لا فأنتم تجنون على أنفسكم، ألم تنظروا إلى من سبقكم من الآباء والأجداد أين ذهبوا، إن مصيركم كمصيرهم، فاحذروا
هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون
[الزخرف: 66]. وقال:
واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين
[الزمر: 55-58] إذن: لماذا لا تعملون حسابا لهذا اليوم؟ والذين استشروا في الفساد ظنوا أنه ينفعهم، لكن الفساد في الكون يضر الجميع، فالذين ينهبون أموال الناس سيأتي من هو أقوى منهم وينهب أموالهم، فأنت إذن لست بمنجى عن أن يطولك الفساد وتكتوي بناره، لأن المجتمع مركب واحد يضم الجميع. ثم إن القيم ثابتة لا اختلاف عليها، فالخير خير حتى عند أهل الشر، والدليل على ذلك لو أن هناك صحبة من الأشرار، وأراد واحد منهم أن يتزوج أخت الآخر، فقال له: لا لا أزوجك أختي أنا ملقتش غيرك أنت يا حرامي إذن: القيم هي القيم. فالكذاب يحترم الصادق، والمنحرف يحترم المستقيم، وهكذا. إذن: الحق سبحانه يقول لهم لا تفسدوا في الأرض، وأحرصوا على إنهاء الإفساد في مجتمعكم، فإن كانت لكم الآن قوة تفرضون بها الفساد على الناس فسوف يأتي من هو أقوى منكم، ويفرض عليكم مثله وأكثر. وكلمة ﴿ توليتم.. ﴾ [محمد: 22] أي: أعرضتم تدل على أنهم سمعوا كلاما لا يعجبهم، فلو أعجبهم لسمعوا وما أعرضوا عنه، لكن كيف وهم يريدون الفساد الذي يحقق لهم شهواتهم، فالفساد سبقه تول وإعراض. لذلك يقول تعالى: