47.34
قوله تعالى: ﴿ ثم ماتوا وهم كفار.. ﴾ [محمد: 34] يعني: ماتوا على الكفر ولم يستدركوا الأمر بالتوبة قبل أن يداهمهم الموت ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ [محمد: 34] هذا يعني أنهم لو تابوا قبل الغرغرة وفي فسحة الدنيا لغفر لهم. وفي آية أخرى يقول تعالى:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء..
[النساء: 48] والموت على الكفر بعد أن بان الهدى وظهر للناس دليل على الإصرار، فكيف تناله رحمة الله؟!
47.35
معنى: ﴿ فلا تهنوا.. ﴾ [محمد: 35] لا تضعفوا في مواجهة الأعداء لأنكم أمامهم في معركة، ولو لمسوا فيكم بوادر الضعف لتجرأوا عليكم وطمعوا فيكم، ومن مظاهر الضعف أن تدعوهم إلى المسالمة والموادعة ﴿ وأنتم الأعلون.. ﴾ [محمد: 35] فتصرفوا من هذا المنطلق، ومن هذا الاعتقاد أنكم الأعلون عليهم. ولم لا ﴿ والله معكم.. ﴾ [محمد: 35] يقويكم ويحمي ظهوركم، وهو سبحانه الركن الشديد الذي لا يخذل أبدا من لجأ إليه، وهو صاحب هذا المنهج الذي تقاتلون من أجله، فكيف يتخلى عنكم أو يسلمكم لأعدائكم؟! إذن: إذا حمي الوطيس واشتدت الحرب فاثبتوا، ولا ترهبكم منهم عدة ولا عدد ولا حيلة ولا مكر، لأن الله معكم. لذلك في قصة سيدنا موسى عليه السلام لما كاد فرعون أن يلحقه هو وجنوده، حتى كان البحر من أمامه وجنود فرعون من خلفه، وقال أحد جنود موسى:
إنا لمدركون
[الشعراء: 61] ماذا قال موسى؟
قال كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 62] قالها بملء فيه وهو واثق من نصر الله. ونفهم من قوله تعالى: ﴿ وتدعوا إلى السلم.. ﴾ [محمد: 35] نهى عن أن نطلب نحن السلام ولا نرفع نحن الراية البيضاء، بل نتركهم يطلبون هم، لذلك يقول سبحانه في الآية الأخرى:
وإن جنحوا للسلم فاجنح لها..
[الأنفال: 61] ذلك لأنهم يفهمون أن السلام من طرفكم ضعف واستسلام، وأيضا لا تطلبون السلام لأنكم الأعلون والأعز والأقوى. ﴿ والله معكم.. ﴾ [محمد: 35] ومن كان في معية الله يخلع الله عليه من صفاته، أرأيتم في قصة الغار كيف وقفوا على فتحة الغار، حتى قال الصديق:
" يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ".
وما دام الله ثالثهما، فهم في معيته تعالى، وما دام الله لا تدركه الأبصار، فكذلك من كان في معيته لا تدركه الأبصار. معنى ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ [محمد: 35] وتر الشيء يعني: فقده، والمعنى: لن ينقصكم من أجور أعمالكم شيئا، بل سيوفيكم إياها وزيادة.