" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
البعض يقف عند قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم.. ﴾ [محمد: 16] فيقول ما دام أن الله طبع على قلوبهم وأراد لهم الضلال، فلماذا يعذبهم؟ نقول: الله يهدي العباد لا يضلهم، وهم الذين يختارون الضلال ولا يهتدون بالإيمان. لذلك نقرأ:
والله لا يهدي القوم الكافرين
[البقرة: 264] و
والله لا يهدي القوم الفاسقين
[المائدة: 108] و
والله لا يهدي القوم الظالمين
[البقرة: 258]. فالضلال إذن وعدم الهداية ناشىء عنهم هم ونتيجة مسلكهم غير المستقيم، فالله لم يهدهم لأنهم إما كافرون أو فاسقون أو ظالمون. وإلا فالحق سبحانه في واقع الأمر هدى الجميع، المؤمن والكافر، لأنه نادى الجميع في قوله سبحانه:
يأيها الناس
[البقرة: 21] فدل الجميع وأرشدهم إلى منهجه وعاقبة السير على هذا المنهج، وأنذرهم عاقبة الخروج عنه. وبين لهم أن المنهج ما وضع إلا لمصلحتهم باستقامة أمورهم في الدنيا وسلامتهم في الآخرة، وأنه سبحانه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فهو سبحانه غني عنهم مستغن عن عبادتهم، لأن له صفات الكمال قبل أن يخلقهم، يقول لعبده: يا عبدي أقبل علي أعطك خيري. واقرأ قوله تعالى في قوم ثمود:
وأما ثمود فهديناهم..
[فصلت: 17] يعني: دللناهم وأرشدناهم إلى طريق الخير
فاستحبوا العمى على الهدى..
[فصلت: 17] فلما استحبوا العمى أعماهم الله. ثم إن الذين يقولون: لماذا يعذبهم الله وهو أضلهم؟ لماذا لا يذكرون المقابل فيقولون: ما دام كتب عليهم الطاعة، فلماذا يثيبهم عليها؟. لذلك ورد في الحديث القدسي:
" قالت السماء: يا رب إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب إئذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أن أسقط على أبن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، فقال الله لهم: دعوني وخلقي لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، وأبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب ".
وسبق أن مثلنا مسألة الهداية - ولله المثل الأعلى - برجل المرور حين تذهب إليه فتسأله عن الطريق، فيقول لك: الطريق من هنا، فإن أطعته زادك وقال لك: إن في الطريق عقبة في المكان الفلاني فانتبه لها، أو يأخذك بنفسه حتى تبلغ ما تريد. وهكذا الحق سبحانه دل الجميع وأرشد الجميع، فمن سمع وأطاع زاده هداية، ومن أعرض وتمرد زاده ضلالا بأن ختم على قلبه. لذلك قسم العلماء الهداية إلى نوعين: هداية الدلالة وهي للمؤمن وللكافر، وهداية التوفيق والمعونة، وهي خاصة بالمؤمن، لذلك قال في الآية بعدها: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى... ﴾.