تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فانتظر الساعة ".

وقال:

" إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة "

وغير ذلك من العلامات. وقوله سبحانه: ﴿ فأنى لهم إذا جآءتهم ذكرهم ﴾ [محمد: 18] يعني: كيف أو من أين لهم التذكر وقد فات أوانه وباغتتهم القيامة، أنى لهم التذكر، وأنى لهم أن يستأنفوا عملا صالحا. ثم يختمها بقضية القضايا التي إن صلحت صلح للإنسان كل شي، فيقول: ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله... ﴾.

47.19

معنى ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله.. ﴾ [محمد: 19] لا تطلب بأي شيء سببا غير الله، ولا يجوز لك أن تلجأ لغير الله، فاللجوء لغير الله لا يفيد، وقوله: ﴿ فاعلم.. ﴾ [محمد: 19] العلم إما علم يقين إذا أخبرك به من تثق في صدقه، وعين يقين حينما تراه بعينك وترى أثره، وحق اليقين حينما تباشره بنفسك. والحق سبحانه حينما يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله.. ﴾ [محمد: 19] هل يعني هذا أنه لا يعلمها؟ لا بل المراد داوم عليها، وكما علمتها في الماضي فاجعلها في الحاضر وفي المستقبل. وهذا من باب قوله تعالى:

يأيها الذين ءامنوا ءامنوا..

[النساء: 136] فيأمرهم بالإيمان وقد ناداهم به. قالوا: إذا أمر الله أمرا وهو موجود بالفعل في المأمور فالمراد داوم عليه، فأنت مؤمن لكن مطلوب منك أن تداوم على إيمانك في المستقبل. والحق سبحانه حينما يأمر نبيه هذا الأمر إنما ليطمئنه على أنه إن جحد وعودي وأوذي بشتى أنواع الإيذاء والاستهزاء لا يحزن ولا يهتم، لأن الله بجواره ينصره ويؤيده، ومهما فعل البشر فلن يمنعوه من إنفاذ دعوته. فسنة الله في الرسل أن ينصرهم:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173] لذلك قلنا: إذا رأيت جنديا منتسبا للإسلام وغلب، فاعلم أن شروط الجندية اختلت عنده وإلا ما هزم. وأخذنا مثالا على ذلك بما حدث للمسلمين يوم أحد من مخالفة أمر رسول الله فهزموا وهو بينهم، وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولو انتصروا بعد أن خالفوا أمر الرسول لهان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا في أنفسهم: لقد خالفناه وانتصرنا. إذن: جاءت الهزيمة لتردهم إلى الصواب وتوقظ غفلتهم في مسألة طاعة أمر رسول الله. وقوله سبحانه: ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.. ﴾ [محمد: 19] فهل يعني هذا أن للرسول ذنبا يجب الاستغفار منه؟ هذه من المسائل التي دار حولها جدل كثير، والمعنى هنا: إذا سهت نفسك فأذنبت فاستغفر لا أنه أذنب بالفعل، يقول له ربه: إذا حصل منك ذنب فاستغفر له، وكذلك استغفر للمؤمنين والمؤمنات. وفي آية أخرى قال تعالى:

إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر..

[الفتح: 1-2] فذكر الذنب في حق الرسول رغم أنه معصوم. والعلماء حينما بحثوا مثل هذه الآيات قالوا: هي من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ومعلوم أن المقربين درجة من درجات الطاعة والامتثال لله أعلى من درجة الأبرار، لأن الأبرار هم الذين يطيعون الله ويفعلون الخيرات وينفذون الأوامر.

أما المقربون فهم الذين يزيدون على ذلك تقربا إلى الله، حتى في عرف الناس المقرب منك هو الصديق الملازم لك الذي لا يفارقك ويحبك ويخاف عليك. كذلك المقرب من الله، له قانون آخر في التعامل غير قانون الأبرار، ومقياس آخر للحسنات والسيئات يناسب درجة قربه من ربه عز وجل. ترى لو أنك مثلا مرضت لا قدر الله وجاءك أحد معارفك وزارك في مرضك ولو مرة واحدة ماذا تفعل؟ تشكره وترى أنه أدى الواجب. أما صديقك المقرب لو زارك مرة واحدة مثله ماذا تفعل؟ تعاتبه وتلومه لأنك كنت تنتظر منه أكثر من زيارة، هذا هو معنى: حسنات الأبرار سيئات المقربين. إذن: الحسنة من الإنسان العادي قد تعد سيئة بالنسبة للنبي، فالنبي مقرب وللمقرب حساب آخر، ولهذه القربى ثمن، وكان الله يقول لك: حافظ على هذه الدرجة من القرب مني، وإياك أن يحدث منك ولو شيء بسيط بالنسبة لغيرك. أو أن سيدنا رسول الله كما قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٢٥