تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

47.31

الكلام هنا للمؤمنين الذين آمنوا بالله وصدقوا برسول الله، يقول الله لهم ﴿ ولنبلونكم.. ﴾ [محمد: 31] نختبركم ونمتحنكم بالشدائد والمشاق. ﴿ حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ﴾ [محمد: 31] لنعرف من يثبت مع البلاء ممن هو في شك وتردد، يريد الله أن يمحص المؤمنين، وأن يختبر قوة إيمانهم وصبرهم وتحملهم للمشاق، فعلى أكتاف هؤلاء ستقوم الدعوة وهي دعوة عالمية لا يصمد لها إلا راسخ الإيمان ثابت العقيدة لا يتزعزع على حد قول القائل:

ولست أبالي حين أقتل مسلما

على أي جنب كان في الله مصرعي

هؤلاء الذين حرصوا على الموت حرص غيرهم على الحياة، فأعطاهم الله منزلة الشهادة وبرأهم من الموت بعد أن ضحوا بأرواحهم في سبيله، ووصل حياتهم في الدنيا بحياتهم في الآخرة. وقوله: ﴿ والصابرين.. ﴾ [محمد: 31] أي: على المشاق مشاق الدعوة ومشاق التكليف، وحين تتأمل حال هذه الأمة قبل الإسلام تجد كأن الله تعالى يعدها لحمل رسالة الإسلام، فهي أمة حرب وقتال، تعلم فنونه وتجيد الكر والفر، وهي أمة بدوية لا تستقر في مكان، بل بيوتهم على ظهور الدواب، وهي أمة أمية ليس لها نظام ولا قانون ولا منهج حياة. كل هذا أهلها لأن تحمل دعوة الحق إلى الدنيا كلها، تحارب الباطل وتفقه الناس في دين الله، قال سبحانه وتعالى:

فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم..

[التوبة: 122]. إذن: الإسلام في صراعه مع أعدائه يحتاج إلى قوتين للجهاد: قوة تجاهد لحفظ الكلمة، وقوة تجاهد لإثبات صدق الكلمة، لذلك كان الاختبار والابتلاء ضرورة، والاختبار ﴿ ولنبلونكم.. ﴾ [محمد: 31] لا يمدح ولا يذم لذاته إنما بحسب نتيجته، فالذي يدخل الاختبار وينجح نمدحه والذي يفشل نذمه. وقوله: ﴿ حتى نعلم.. ﴾ [محمد: 31] الله يقول ذلك وهو يعلم، إذن: المراد نعلم علم الواقع بالفعل ليكون الواقع حجة على صاحبه، حتى لا يقول لو دخلت الاختبار لنجحت. وكلمة ﴿ والصابرين.. ﴾ [محمد: 31] دلت على أن في التكاليف مشقة وتضييقا على النفس، لذلك بعض الناس يتحملها ويصبر، وبعضهم يضيق بها ويجزع. قال تعالى:

واصبر وما صبرك إلا بالله..

[النحل: 127] فالله هو الذي يعينك على الصبر بأن يبين لك عاقبته الحميدة. وقال سبحانه:

وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 3] تواصوا يعني يوصي كل منكم الآخر به، لأن الإنسان مرة يصبر ويتحمل، ومرة يضعف ويجزع، فمرة توصيني ومرة أوصيك، وكلمة الوصية بلفظها لا تكون إلا في الشيء الغالي الثمين الذي يستحق الاهتمام، ويستحق أن نحرص عليه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٣٦