تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا

[الفرقان: 23]. ويقول:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39] فهؤلاء هم الذين يقال لهم يوم القيامة:

أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها..

[الأحقاف: 20]. وفى المقابل يقول سبحانه: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات... ﴾.

47.2

قلنا: إن المتقابلات يظهر بعضها بعضا، وذكر المتقابلات من أسلوب القرآن، ليحدث مقارنة بين الأمرين فتتضح الصورة كما في قوله تعالى:

إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم

[الانفطار: 13-14]. وهنا يقول في مقابل الذين كفروا ﴿ والذين آمنوا.. ﴾ [محمد: 2] ولم يقل آمنوا بمن، لأن الإيمان أمر فطري، وساعة يطلق ينصرف إلى الإيمان بالله، لأنه هو الإيمان الأول. والفعل آمن يتعدى بالباء تقول آمن به يعني: اعتقد وجوده، ويتعدى باللام، تقول آمن له: يعني صدقه، وقد يتعدى بلا حرف كما في

وآمنهم من خوف

[قريش: 4] وكلها تؤدي معنى الأمان والاطمئنان والسلام. وقوله: ﴿ وعملوا الصالحات.. ﴾ [محمد: 2] دائما ما يقرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، لأن الإيمان عمل القلب، أما العمل الصالح فعمل القالب والجوارح، فمن القلب والقالب يكون الامتثال إيمان قلب للعقيدة، وإيمان قالب لطاعة الأمر ممن يعتقد به. وسيد الجوارح كلها في الإنسان هو القلب، لأنه الآلة التي تضخ الدم وهو سائل الحياة إلى جميع أجزاء الجسم، فإذا عمر القلب بالإيمان ضخه إلى كل الأعضاء فاستقامت. لذلك قال صلى الله عليه وسلم:

" إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".

عمل القلب أن يؤمن بالله وبما يخبر الله به من الغيبيات: يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره، ثم يأتي عمل الجوارح، فالعين لا تمدها إلى محارم غيرك، واللسان لا تشهد به زورا، ولا تغتب به الناس، ولا تقذف به المحصنات، ولا تحلف به يمينا كاذبة. والبطن لا تملؤها إلا من الحلال، واليد لا تسرق بها، ولا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والرجل لا تسعى بها إلى محرم. إذن: كل جارحة لها عمل صالح، ويجب أن تجنبها الحرام، وهناك من العمل الصالح ما يشمل كل الجوارح وهو بر الوالدين. لذلك قرنه الله بعبادته فقال:

واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالولدين إحسانا..

[النساء: 36]. وفي سورة العصر بيان لأهمية العمل الصالح بعد الإيمان بالله، فقال تعالى:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات..

[العصر: 1-3]. وقوله تعالى: ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم.. ﴾ [محمد: 2] قوله تعالى: ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد.. ﴾ [محمد: 2] بعد ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ﴾ [محمد: 2] دل على وجوب الإيمان بالرسل السابقين. لذلك قال تعالى:

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..

[الشورى: 13]. ذلك لأن أصل الدين واحد وهو عبادة الله وحده، فقضية الإيمان واحدة عند كل رسل الله، ومن الإيمان بالله يتفرع الإيمان بالكتب وبالرسل وبالآخرة والحساب، لأنك آمنت بالله. لكن هل يخاطبك الله وحدك ويقول لك: افعل كذا ولا تفعل كذا؟ لا إنما يختار للبلاغ عنه من يصطفيه من الرسل

الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس..

[الحج: 75]. اصطفى من الملائكة جبريل ليكون آمين وحيه، واصطفى من الناس الرسل والأنبياء، ففرع الإيمان بالله أن نؤمن برسل الله كلهم، وأن نسوي بينهم في التعظيم. وأذكر أن أحد المستشرقين سألني في سان فرانسيسكو: كيف تبيحون للمسلم أن يتزوج كتابية، ولا تبيحون للكتابي أن يتزوج بمسلمة؟ لماذا لم تجعلوها كالطعام والشراب؟ قلت لهم: لأن المسلم مؤمن برسول الكتابية، أما الكتابي فهو غير مؤمن برسول من يريد أن يتزوجها المسلمة. وقوله: ﴿ وهو الحق من ربهم.. ﴾ [محمد: 2] أي: ما نزل على محمد هو الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، ثم تأتي ثمرة الإيمان ﴿ كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ﴾ [محمد: 2]. من رحمة الله بعباده أن شرع لهم التوبة، وفتح لهم باب الاستغفار، فهو سبحانه خالقهم وأعلم بهم وبما يصلحهم، يعلم أن الإنسان من طبيعته الغفلة. لذلك قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥١٠