تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الفرقان: 20] قالوا: كلمة بعض هنا ليست تحديدا لشخص بعينه، إنما هي جزء من كل متساو، لكن مبهم فيه، كما في قوله تعالى:

ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا..

[الزخرف: 32]. فأينا مرفوع وأينا مرفوع عليه؟ قالوا: كل منا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالناس كلهم إذن سواء، أنت لك مجال تجيده وتبدع فيه، فأنت مرفوع في هذا المجال، ولك مجال آخر لا تجيده ولا تعرف فيه شيئا، فغيرك مرفوع عليك فيه، لأنه يجيد ما لا تجيده أنت. وهذه المسألة تأتي من استطراق المواهب في الخلق، لأنهم جميعا عباد الله، وليس منهم من هو ابن الله، ولا من بينه وبين الله قرابة أو نسب، لذلك نثر الحق سبحانه فضله على عباده جميعا، ووزع بينهم المواهب بالتساوي لأن الله تعالى لو جعل إنسانا مجمع خير وفضائل ما احتاج أحد إلى أحد. والله يريد للعباد أن تتشابك أيديهم، وأن يتعاونوا في حركة الحياة، فالقوي يحتاج للضعيف، والضعيف يحتاج للقوي، العالم يحتاج للجاهل، والجاهل يحتاج للمتعلم. وهكذا يرتبط الناس ارتباط حاجة، لا ارتباط تفضل. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بالباشا أو العظيم الذي يعود من عمله، فيجد مجاري البيت مسدودة، ويشم في بيته رائحة كريهة، فيسرع إلى عامل المجاري لينقذ الموقف، وربما ركب سيارته وذهب إليه في مكان عمله، بل وترجاه أن يأتي معه، فالعامل في هذه الحالة مرفوع، والباشا مرفوع عليه. وأذكر زمان عندنا في ميت غمر في بورصة مقهى اسمها باباه، العمال هناك عملوا ثورة وقالوا: لا يصح أن العامل يخدم غيره، ولا يصح أن يمسح أحذية الخلق، لماذا يا ناس؟ قالوا: لأن في ذلك مهانة ومذلة فقلنا لهم: إذن نمسح نحن لأنفسنا، وفعلا عملنا إضرابا واشترى كل منا علبة ورنيش، وصار يمسح الحذاء لنفسه، وبعد فترة جاء هؤلاء إلى البورصة وضجوا من البطالة وقلة الرزق، وراحوا يرجون الناس العودة إلى ما كانوا عليه.

بعدها ناقشناهم. وقال بعض الإخوان لأحدهم: بالله أنت حين تسألني سؤالا وأجيبك عليه: هل آخذ منك جعلا على الإجابة؟ قال: لا، لو عرفت كم كلفني هذا الجواب من عمري وجدي واجتهادي، ومن تعب أهلي في تربيتي لعرفت أنني كنت أيامها مسخرا لك كما أنك مسخر لي الآن، لكنكم نظرتم لنا في وقت راحتنا، ونظرتم إلى أنفسكم وقت عملكم، إذن: القسمة متساوية وكل منا مسخر للآخر، والمسألة ليس فيها إهانة ولا مذلة، بل هو التكامل في حركة الحياة. لذلك قال الحق سبحانه بعدها:

أتصبرون..

[الفرقان: 20] يعني: أتصبرون على فتنة بعضكم ببعض، حتى الرسل فتنوا بالكفار يؤذونهم ويضطهدونهم، وفتن الكفار بالرسل. إذن: من النعم أن الله تعالى وزع المواهب في الكون كله، ووزع فضله على الخلق

فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء..

[النحل: 71]. نعود إلى سيدنا سليمان ونقول: ما يدرينا أن الملك والنبوة معا أغرت سليمان، فوجد في نفسه شيئا من ذلك، فأراد الله أن يصحح له خواطره في نفسه، لأنه يريده لمهمة أعلى مما هو فيه الآن لذلك مر بهذه التجربة، ووجد نفسه على كرسيه جسدا لا يستطيع الحركة. لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائما مؤدبا مع ربه ومع الخلق، فقد قال صلى الله عليه وسلم:

" اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ".

معنى هذا أن الأنبياء يمكن أن يخالطهم شيء، وأنهم يمكن أن يبتلوا، لكن ممن يكون الابتلاء من الله الذي أرسلهم، والابتلاء يكون تصحيحا لمسار المبتلى، وليس كرها له لا سمح الله. كذلك ابتلى الله سيدنا سليمان، لأنه يعده لأمر أسمى من هذا، هو ملك في ظاهر الملك، إنما ربه يريد أن يعده ليعطيه شيئا من الملكوت. لما عاد سليمان - عليه السلام - وأناب إلى ربه، قال ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ﴾ [ص: 35] يعني: استغفر ربه مما وقع فيه من الغرور. يعني: رب اغفر لي ما سبب أن تجعلني جسدا. وكأنه قال: يا رب، لقد ابتليتني بالملك والنبوة، وهذه مسألة لم تحدث لأحد من قبلي فاغتررت بها، فهب لي ملكا أعظم منه لا ينبغي لأحد من بعدي وسوف أوفي هذه المرة ولن أغتر، وكأنه يقول لربه: يا رب جربني وأعطني فرصة أخرى، فلما دعا سليمان هذا الدعاء أجابه ربه وأعطاه ما طلب.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠١٠