ولا بد هنا أن نفرق بين العمل والفعل، والفعل يقابله القول الذي هو مهمة اللسان لذلك قال تعالى:
يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون
[الصف: 2]. إذن: فالقول، وهو مهمة اللسان أخذ قسما وحده، وبقية الحواس أخذت القسم الآخر، فالقول للسان، والفعل لبقية الحواس، لماذا أخذ اللسان الشطر، وبقية الحواس الشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول هو وسيلة نقل مطلوب الرسل منا لنفعل، ونقل مطلوباتنا من الغير ليفعلوها. إذن: فكل الأفعال في خدمة القول، ومنهج الله لا يأتينا إلا بالقول الذي يحمل الأمر للحواس فتعمل، والعمل ليس بالضرورة عملا عضليا، بل ربما يكون عملا معنويا، كعمل القلب وهو النية كما قلنا، والشرع هو الذي يحكم هذه الحواس، ويحدد لها الإطار الذي تعمل فيه في ضوء الحلال والحرام. ومهمة الحواس أن تلتقط المدركات، ثم تعرضها على العقل، فيصفيها تصفية حقيقية، بأن يقارن بينها، ويعرف أن هذه تصلح لكذا، وهذه لكذا، وبعد هذه التصفية يسلمها للقلب لتصير عقيدة فيه، وكلمة عقيدة تعني الشيء المعقود الذي لا يفك، ولا يعرض للنقاش مرة أخرى في العقل، فالطفل الصغير مثلا يغريه شكل النار الجميل، فيحاول الإمساك بها، فتحرقه النار، ويحس لأول مرة بالحرارة، فتتكون عنده عقيدة أو قضية عقلية أن النار تحرق، فلا يقترب منها بعد ذلك، ويظل طوال حياته يسير على هذه العقيدة أو هذا المبدأ، ولا يحتاج لأن يجربه مرة أخرى. هذه العقيدة ساعة تستقر في القلب يضخها القلب مع الدم، فتسير في جميع البدن، وتتخلل كل الأعضاء فتتشربها، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف:
" إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".
وبعد أن خلق الحق سبحانه للإنسان الجوارح والحواس خلق الغرائز، وهي أمور لازمة لك، ثابتة في تكوينك، ولا يمكن لك الاستغناء عنها، لكن هذه الغريزة قد تلح عليك فتخرجك عن الهدف منها، وعندها لا بد أن يتدخل الشرع ليكبح جماحها، وليعيدها إلى توازنها الذي خلقها الله من أجله. يتدخل الشرع ليعلي الغريزة ويهذبها، لا ليكبتها ويقضي عليها، فالأكل غريزة لاستبقاء الحياة ويكفي فيه ما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ".
ولا ينبغي أن تخرج عن ذلك، وتتحول إلى شره وتخمة. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله لاستكشاف أسراره في الكون، والتأمل في مخلوقاته، فإن خرجت عن هذا الإطار وصارت تجسسا وتتبعا للعورات، فقد خردت عن مهمتها، وهنا يتدخل الشرع ليعليها ويعيد إليها توازنها. وأعنف غرائز الإنسان الغريزة الجنسية، خاصة في سن الشباب وهذه الغريزة جعلها الله لحفظ النوع واستبقاء النسل، هذه هي المهمة التي من أجلها خلقت غريزة الجنس، وقد حرص الشرع على استبقاء هذه الغريزة مصحوبة بمنهج حركتها لمن خلقها لتستقيم الأمور، لأن النسل هو الثروة الأولى التي ينبغي الحفاظ عليها ليأتي النسل شريفا طاهرا.
وسبق أن فرقنا بين النسل الشرعي المحسوب على الوالدين، والنسل غير الشرعى، وكيف أن الأول يقابل بالفرحة وبالحنان والعطف والرعاية، والآخر يقابل بالكراهية وعدم الرغبة، وربما فكرت أمه في التخلص منه، ولو بإلقائه في الشارع. من هنا حرص الدين على بناء الأسرة بناء سليما فيه شرف وكبرياء وعزة نفس في ظل كلمة الله ومنهجه الذي يؤمن لك سلامة نسلك، فيأتي موثوقا به تطمئن إليه، وتعتني به، وتربيه أحسن تربية، وهذا هو هدف الشرع. وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين الحلال والحرام في هذه المسألة، وذكرنا الحديث الشريف:
" جدع الحلال أنف الغيرة ".
إذن: فهذه الغريزة مخلوقة في النفس البشرية لأداء مهمة، ولكي تبقى في إطار ما خلقت له، لكن الحاصل أن كثيرين يخرجون بها عن هدفها، والعجيب أن يظلم الإنسان الحيوان في هذه المسألة، حين يقول: هذه شهوة بهيمية ويتشدق بها. وهذا القول يدل على عدم فهم لغريزة الحيوان لأن الحيوان يقف بالغريزة عند حدودها كما خلقها الله لذلك لم نر بهيمة أنثى حملت ثم مكنت فحلا منها بعد ذلك، كذلك الفحل يشمها، فيعرف أنها حامل فينصرف عنها. أهذه شهوة بهيمية على حسب ما نقصد نحن من هذه الكلمة؟ لا، بل هي إنسانية.. ولك أن تقارن بين هذه الغريزة عند الحيوان وعند الإنسان، وسوف ترى العجب في خروج الإنسان بهذه الغريزة عن المراد منها. ومن حكمة الخالق سبحانه أن ربط الغريزة الجنسية والنسل بالاستمتاع، ذلك لأن للنسل مطالب وتبعات ومسئوليات، فلو لم تكن هناك متعة ترغب الإنسان لزهد في المسألة، وانصرف عنها. والحق سبحانه وتعالى يأتي للمؤمنين على منهج واحد بأمور متقابلة مثل: العزة والذلة، فالمؤمن غير مطبوع على عزة دائمة ولا على ذلة دائمة، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه أن يكون عزيزا، أو أن يكون ذليلا، فالذلة والانكسار لإخوانه المؤمنين والعزة والتعالي على الكافرين الجاحدين، كما قال تعالى في وصف سيدنا رسول الله والمؤمنين: