تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37.127-132

قوله تعالى: ﴿ فكذبوه ﴾ [الصافات: 127] كشأن كل الأقوام التي جاءها الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ولا بد أن يكذب الرسل، يكذبهم أهل الفساد والمنتفعون من الفساد، يكذبهم سادة القوم وكبراؤهم، لتظل لهم سيادتهم وجبروتهم واستعبادهم للضعفاء ﴿ فكذبوه فإنهم لمحضرون ﴾ [الصافات: 127] أي: عندنا للحساب تحضرهم ملائكة العذاب، والمعنى: لا تظنوا أنكم تفلتون من أيدينا، لأن لكم معادا ورجعة كما قال سبحانه:

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون

[المؤمنون: 115]. وقوله: ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ [الصافات: 128] أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته، ثم تختم هذه القصة الموجزة لهذا النبي الكريم بما ختمت به سابقتها ﴿ وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إل ياسين * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين ﴾ [الصافات: 129-132]. ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسان فرع الإيمان، يعني ما كان محسنا إلا لأنه كان مؤمنا أولا. هكذا لخص لنا القرآن قصة هذا النبي، وبين أنه جاء بقضية عقدية لا قضية تكليفية، جاء ليصحح للقوم الأساس والقاعدة التي تبنى عليها الحياة، وهذه مهمة الرسل من لدن آدم عليه السلام، فقد خلق الله آدم أبا البشر خليفة في الأرض. ومعنى خليفة في الأرض أن يزاول في الأرض مهمة عن الحق سبحانه وتعالى. ولكي يزاول هذه المهمة أمده الله بصفات من صفاته، وهذه الصفات موهوبة ممدودة ليست ذاتية في الخليفة، لذلك يسلبها الخالق في أي وقت، فالله تعالى هو واجب الوجود الأعلى، وهو المتصف بهذه الصفات بذاته، فالله قادر ويعطيك من قدرته قدرة، وحكيم ويهبك من حكمته حكمة تزاول بها الأشياء، والله قهار ويعطيك قهارية تزجر بها من كان تحت تصرفك لتستقيم أمورهم، ويعطيك رحمانية تحنو بها على الضعيف والمحتاج. إذن: فمن صفات الحق واجب الوجود الأعلى أنه يعطينا من وجوده وجودا، بل وجودات متعددة بتعدد الأفراد ومتوالية الأمثال، لكن يعطي سبحانه من الوجود الذاتي وجودا عرضيا. فإن نظرت إلى الآفات التي تصيب الناس في حواسهم أو في جوارحهم تجدها مرادة لله تعالى خلقا أو توجها، لماذا؟ لأن الإنسان كما أخبر عنه خالقه:

كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى

[العلق: 6-7]. وضربنا لذلك مثلا بالولد مع أبيه، فلو أن الأب يعطي ولده المصروف كل شهر تجد الولد لا يحرص على لقاء أبيه إلا كل شهر، إنما لو أعطاه يوما بيوم لتعرض له الولد كل يوم وتمحك فيه، وأظهر نفسه ليأخذ مصروفه الذي تعود عليه، فتراه مثلا يمر على أبيه في الصباح. ويقول: يا أبي أنا رايح المدرسة، فالحاجة هي التي ألجأته لمودة أبيه. إذن: يجب أن نفسر فلسفة الحاجات التي تعوز النتيجة، وهذه الحاجات هي التي تلجئك إلى ربك، والواقع يؤيد ذلك، وكثيرا ما نرى الإنسان لا يلجأ لربه ولا يصلح ما بينه وبين خالقه إلا إذا اختل عنده شيء، وعزت عليه أسبابه، فلا يجد إلا ربه فيقول: يا رب، يا الله.

إذن نقول: الخالق يهب الخليفة من صفاته، لكن تظل هذه الصفات الموهوبة عرضية غير دائمة لذلك يموت الإنسان جنينا، ويموت طفلا، ويموت شابا وكهلا وشيخا، وهذه القضية تفسر لنا الحديث الشريف:

" خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا ".

فالهاء يجوز أن تعود على الله تعالى، فيكون المعنى: خلق الله آدم على صورته تعالى، لا على حقيقته، وفرق بين الصورة والحقيقة، الصورة هى التي تؤخذ لك لقطة على هيئة معينة، ثم تتجمد على هذه الهيئة، إذن: هذا الخلق لا يعني أن آدم أخذ شيئا من صفات الله على الحقيقة، لا إنما على الصورة، لأن الحقيقة لها دوام، والصفات في آدم لا دوام لها. ويجوز أن تعود الهاء على آدم، فيكون المعنى: خلق الله آدم على صورته أي على صورة آدم لأن الله تعالى لم يخلق آدم جنينا، ثم ولد ثم صار طفلا فشابا، لا بل خلقه أول الأمر هكذا على هذه الهيئة المعروفة للإنسان الكامل الأعضاء والجوارح. إذن: يجوز الوجهان. وفرق بين من يخلق، ومن يخلق من يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير لا يقدر مثلا على نقل المائدة من مكانها، أما الرجل القوي فيستطيع أن ينقلها له، وهو في هذه الحالة لم يعد قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدى له أثر صفته فحمل عنه واشتال له، وظل الطفل ضعيفا غير قادر على الحمل. لذلك نقول: إن وجه العظمة في خلق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق من قدرته قدرة، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدك، فالخلق يتطوعون ويعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفا، أما الخالق سبحانه فيعطي الضعيف قوة فيفعل بنفسه. لكن تنبه أن هذه الصفات موهوبة لك لا ذاتية فيك لأنك لست أصيلا في الوجود بل أنت خليفة، ولا بد لك أن تظل في حضن من استخلفك، وإياك أن تشذ عمن استخلفك، وإلا سحب منك مقومات هذا الاستخلاف. وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا أعور وهذا أعرج.. الخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتك إليه، وينبهك إلى أنك لست أصيلا في الوجود إنما مستخلف، وأنك شيء ما دام معك من استخلفك، فإن تخلى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في الكون أن يعتبر نفسه أصيلا، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامت الأمور. البعض ينظر إلى هذه العاهات على أنها تشويه للخلق ولا يرى فيها حكمة، والحقيقة أنها خلقت لحكمة مرادة لله تعالى، وما هي إلا وسيلة إيضاح للناس كي لا تغتر بالجوارح السليمة، وكي تظل على ذكر لله الخالق، وكما قلنا الحاجة هي التي تلجئك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٥٨