تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" بني الإسلام على خمس "

يعني: هذه الخمس هي الدعائم التي يقوم عليها الإسلام والمبنى غير المبنى عليه، وهل البناء الذي نسكنه مكون من الأساس والأعمدة فحسب؟ إذن: الإسلام ليس هو الأركان الخمس، إنما الإسلام أوسع من ذلك، الأركان هي الشحنة التي يستدعيك ربك إليها، فتأخذ من لقائه المدد الذي يعينك على القيام بحركة الحياة. ومثلنا ذلك بالبطارية حين تذهب بها إلى الشحن، فنحن لا نستفيد بها في فترة الشحن، إنما نعطيها الشحنة اللازمة لتعمل بها بعد ذلك. ومن عجيب أمر الرحمة الإلهية أن الله تعالى جعل الذهاب إلى شحنة الطاقة الإنسانية فرضا تكليفيا لا بد لك من القيام به، لا بد لك أن تقابلني خمس مرات في اليوم والليلة لأنك خلقي وصنعتي، والصانع أعلم بما يصلح صنعته، وتصور صنعة تعرض على صانعها خمس مرات في اليوم والليلة: هل يبقى فيها عطب، هذا في الصانع إن كان من البشر، فما بالك في الصانع إن كان هو رب البشر وخالقهم سبحانه. الصانع من البشر يصلح صنعته بشيء مادي مثل مسمار أو قطعة غيار مثلا، أما الخالق سبحانه فيصلحك دون شيء مادي ذلك لأن المهندس وصنعته شيء مادي فيصلح بالمادة، أما الخالق سبحانه فغيب، فحين يصلحك من عطب فيك يصلحك بالغيب فلا تشعر به ولا تراه. إذن: نقول لا بد أن نفهم الدين على حقيقته، وأن نفهم أن لكل منا مهمة، فإذا تفوق عليك غيرك فاعلم أن تفوقه لصالحك وعائد عليك، لأنه بتفوقه يؤدي إليك خدمة، في حين أنه لا يستفيد منك، فالذي يجيد عملا لا شك أنه ينفع نفسه وينفع الآخرين، على خلاف من لا يجيد شيئا.

لذلك نقول في الفلاحين باب النجار مخلع، فالنجار تظهر مهارته حينما يصنع لغيره لأنه يتقاضى أجرا، إنما لا يجيد الصناعة لنفسه، إذن: حين ترى المتفوق عنك، لا تحسده ولا تحقد عليه، بل تمن له الزيادة، وتمن له الخير، فسوف يصيبك شيء لا محالة من هذا الخير، وسيعود عليك هذا التفوق في شكل خدمة يقدمها لك. لذلك كنا في الفلاحين، لو مات لأحدنا بقرة أو جاموسة يحزن الجميع، لدرجة أننا رأينا مرة جماعة يبكون على عجل مات فتعجبنا، الناس يبكون على الميت منهم، لكن من الحيوانات؟! بعدها عرفنا أن هذا العجل هو الذي يدير الساقية، ويحرث الأرض التي يأكل منها هؤلاء الناس، وينالهم خير هذه الأرض، وكنا في الريف لا نشتري الخيار ولا الملوخية ولا البامية وغيرها كثير، بل كان يهدى ولا يباع. إذن: الهبة المبذولة عند الخلق عائدة على كل الخلق، فحين ترى سيفيض عليك، وحين ترى من يجيد عملا لا تجيده أنت لا تحقد عليه، لأنك ستحتاجه ليجيد لك عملك حتى لو كنت تكرهه، أو على خلاف معه تحرص عليه ليعمل لك، فأنت تعلم مدى إجادته للعمل، فتذهب إليه حرصا على مصلحتك أنت، وبذلك يتم التعادل المطلوب في المجتمع، وتستقيم أمور الخلق استقامة مبنية على الحاجة. ولو تأملت في نفسك كما قال الله تعالى:

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

[الذاريات: 21] لوجدت في نفسك هذا التعادل بين الأعضاء، فعندك مثلا اليد اليمنى تزاول بها بعض الأعمال التي تناسبها، واليد اليسرى تزاول بها أعمالا أخرى تناسبها، اليد اليمنى للأعمال الشريفة المكرمة، أما اليسرى فهي لما دون ذلك، وغالبا ما تكون اليمين أقوى من الشمال وأكثر حركة منها وأدق في التناول. وتأول مثلا حين تريد أن تقص أظافرك، فإنك تقص الشمال باليمين فيأتي القص دقيقا مريحا، على خلاف قص اليمين بالشمال، إذن: موهبة اليمين عادت على الشمال، وعدم موهبة الشمال عادت على اليمين، وهذا يلفتنا إلى أن الكمالات في الكون كمالات مستطرقة تستطرق فيه، كاستطراق الماء. والحق - سبحانه تعالى - حين خلق الإنسان الخليفة أعطى له تكوينات تناسب مهمته، وأول هذه التكوينات الجوارح التي نسميها الحواس التي نحس بها الأشياء، ويسمونها الحواس الخمس الظاهرة، وقولهم الظاهرة احتياط لما سيجد من حواس يعرفها العلم، وفعلا اكتشف في الإنسان حواس أخرى غير الخمس كالحاسة التى أعرف بها الجوع، وكحاسة البين التي أميز بها البعد بين شيئين، وحاسة العضل التي أعرف بها ثقل الأشياء. وحين تتأمل هذه الحواس الخمس المعروفة، تجد أن التكليف الشرعي جاء على مقتضى هذا التكوين في الحواس، فلكل حاسة في الإنسان، ولكل جارحة عمل، فأداء كل جارحة لمهمتها يسمى عمل، فالقلب يعمل بالنية، واللسان يتكلم، والأذن تسمع، والأنف يشم، واليد تمس الأشياء، والعين ترى، هذا كله عمل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٦٢