تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37.178-179

قوله تعالى في الآية السابقة

فتول عنهم حتى حين

[الصافات: 174] يراد به حين الدنيا، كذلك

وأبصرهم

[الصافات: 175] أي: في الدنيا

فسوف يبصرون

[الصافات: 175] أي: في الدنيا وهذا الحين هو الذي قال الله فيه:

فإما نرينك بعض الذي نعدهم

[غافر: 77] أي: من العقاب في الدنيا

أو نتوفينك فإلينا يرجعون

[غافر: 77] في الآخرة. أما الحين هنا ﴿ وتول عنهم حتى حين ﴾ [الصافات: 178] يراد به حين الآخرة، فليس تكرارا للحين الأول، كذلك ﴿ وأبصر فسوف يبصرون ﴾ [الصافات: 179] في الآخرة حين يفاجئهم العذاب الذي أنكروه وكذبوا به، فيقولون ساعتها:

ربنآ أبصرنا وسمعنا

[السجدة: 12].

37.180-182

يختم الحق سبحانه السورة بالسبحانية التي تثبت التنزيه لله تعالى في ذات ليست كالذوات، وفي صفات ليست كالصفات، وفي أفعال ليست كالأفعال، فكل شيء له سبحانه ولخلقه فيه نسبة نأخذه في إطار

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11]. فالمعنى: ﴿ سبحان ربك ﴾ [الصافات: 180] أي: تنزه ربك عن كل نقص وعن كل مشابهة، فالخلق ذوات، لكن ليست كذاته سبحانه، ولهم وجود ليس كوجوده سبحانه، ولهم غنى ليس كغناه، وحكمة ليست كحكمته.. إلخ. ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ [الصافات: 180] كلمة رب تفيد التربية وهي تأهيل المربي لأنه ينجح في الغاية المنوطة به المطلوبة منه، ولكي تعده لا بد أن تعرف أولا الغاية التي وجد من أجلها، بعد ذلك لا بد أن تكون لديك حكمة تحدد له المنهج الذي يوصله إلى هذه الغاية. إذن: من يحدد الغاية من وجود الإنسان؟ قلنا: إن الصانع من البشر هو الذي يحدد الغاية من صنعته أولا، وقبل أن يشرع فيها فهل مخترع التليفزيون مثلا صنعه ثم قال لنا: انظروا في أي شيء يمكن أن يستعمل هذا الجهاز؟ لا بل حدد الهدف وحدد الغاية أولا، كذلك غايتك أيها الإنسان لا يحددها لك إلا من خلقك. فصيانة الصنعة يقوم بها الصانع، كذلك صيانة الخلق لا تكون إلا بمنهج الحق. لذلك نقول: ما فسدت الدنيا إلا حين خرج الإنسان عن هذا الإطار، فحدد لنفسه الغاية، ووضع لنفسه منهج الحياة ونحى صانعه ومنهج صانعه جانبا، وقلنا: إن منهج الخالق للخلق مثل الكتالوج الذي به تصان الصنعة، وبه نصلح ما فيها من عطب، ويشترط في واضح المنهج أن يكون من الدقة والحكمة بحيث لا يفوته شيء ولا يستدرك عليه، ولا نضطر إلى تعديل ما وضع، والخالق سبحانه هو الأعلم بعباده وصنعته، وهو الأعلم بما يصلحهم في الدنيا وفي الآخرة

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. وإلا فلماذا يستدعينا الخالق سبحانه إلى خمس مرات في اليوم والليلة، ويجعل الصلوات فرضا لازما لا يسقط عن الإنسان بحال من الأحوال، لذلك شرعت صلاة السفر وصلاة المريض، حتى أنه إذا اشتد عليه المرض صلى ولو بطرفة عينه أو بخاطر نفسه. وسبق أن قلنا في هذه المسألة: إنك حين تريد مثلا مقابلة رئيس أو مسئول كبير، فلا بد لك من موعد مسبق وموافقة وإجراءات، بل ويحدد لك ما تقوله، ثم هو الذي ينهي المقابلة.. الخ أما لقاؤك مع ربك فلقاء المحب الذي يترك لحبيبه أن يحدد وقت المقابلة ومكانها وموضوعها، ويترك له أن ينهيها متى أحب، وأن يبدأها متى شاء، فإن أردت لقاء ربك فما عليك إلا أن تستعد له وتكبر: الله أكبر، كلمة تجعلك مباشرة في حضرة ربك عز وجل.

وتصور صنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيبقى فيها عطب أو فساد؟ لذلك

" كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يهرع إلى الصلاة، وكان يقول: " أرحنا بها يا بلال " "

نعم أرحنا بها، لا أرحنا منها. إذن: ذكر سبحانه في الختام السبحانية، ثم الربوبية التي تربيك وتعدك للمهمة المرادة منك، هذه التربية تربيك لماذا؟ تربيك للعزة ﴿ رب العزة ﴾ [الصافات: 180] والعزة أن تغلب ولا يغلبك أحد أبدا، وقلنا - ولله تعالى المثل الأعلى - الولد الصغير حين يسير في الشارع وحده يتجرأ عليه الآخرون، ويتحرشون به ويضربونه، أما إن سار في صحبة والده وأخذه في يده لا يجرؤ أحد على التعرض له، كذلك أنت أيها المسلم كن دائما في حضن ربك، وفي يده، وفي معيته، وعندها لن يجرؤ أحد عليك. إذن: العزة التي يتصف بها الحق سبحانه، ويفيض منها على عباده هي الغلبة التي لا تقهر، والقدرة التي لا تحتاج إلى أحد، وهناك عزة أخرى هي العزة بالإثم، والتي قال الله عنها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٨١