تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37.38-39

في الآيات السابقة قال سبحانه حكاية عن الظالمين قول المتبوعين لأتباعهم:

فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون

[الصافات: 31] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يصرح هنا بنوع الإذاقة ﴿ لذآئقو العذاب الأليم ﴾ [الصافات: 38] وهذا العذاب الأليم ليس ظلما ولا تعديا، إنما جزاء ما قدمتم: ﴿ وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ [الصافات: 39]. وبعد الحديث عن أهل الكفر واللدد وأهل الإجرام والعناد، وبيان مصيرهم، وما ينتظرهم من الجزاء يتبع الحق سبحانه هذا بالحديث عن أهل الإيمان الذين أخلصوا العبادة لله، والجمع بين المتقابلين أسلوب من أساليب القرآن، كما في قوله سبحانه:

إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم

[الانفطار: 13-14] وبضدها تتميز الأشياء، والشيء بعد ذكر مقابله يتبين حسنه، كما قال الشاعر واصفا محبوبته:

فالوجه مثل الصبح مبيض

والشعر مثل الليل مسود

ضدان لما استجمعا حسنا

والضد يظهر حسنه الضد

لذلك يذكر الحق سبحانه ما أعده للمؤمنين المخلصين، بعدما ذكره من جزاء الظالمين المكذبين، لينشئ الحسرة في نفوسهم، فتكون عذابا جديدا يضاف إلى عذابهم في النار. يقول تعالى: ﴿ إلا عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزق معلوم... ﴾.

37.40-47

سبق الحديث عن جزاء الكافرين، وهنا استثناء ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ [الصافات: 40] فهم مستثنون بعيدون من هذا المصير، وكلمة ﴿ المخلصين ﴾ [الصافات: 40] جمع مخلص بالفتح، فهي اسم مفعول. يعني: الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعبادته ﴿ أولئك لهم رزق معلوم ﴾ [الصافات: 41] أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوما لأنك تكد وتتعب في الدنيا، وقد تحرم ثمرة هذا الكد، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر. إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزقك معلوم مخصص لك لا يتخلف أبدا، ولا تحول دونه الأسباب لأنك تعيش في الآخرة - كما قلنا - مع المسبب سبحانه. وسبق أن عرفنا الرزق وقلنا: إنه كل ما ينتفع به، حتى ما يؤخذ من الحرام يعد رزقا لذلك قال تعالى:

يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم

[البقرة: 172]. ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة رزق. وأهم رزق ينتفع به المرء هو القوت الضروري الذي به قوام حياته، ثم التفكه بما يرفه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات ﴿ فواكه وهم مكرمون ﴾ [الصافات: 42] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والترفيات، مثل قوله سبحانه:

ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون

[يس: 35]. إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعة وتفكها بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكه، فمن باب أولى ضمن لك القوت الضروري. ومعنى ﴿ وهم مكرمون ﴾ [الصافات: 42] أي: أنهم لا يرمى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلا، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يساق لهم هذا الرزق ﴿ وهم مكرمون * في جنات النعيم ﴾ [الصافات: 42-43] لأنه رزق المحب لأحبابه. وقوله تعالى: ﴿ على سرر متقابلين ﴾ [الصافات: 44] يعني: لا يكلفهم مشقة التزاور، فالسرر التي يجلسون عليها متقابلة، بحيث إن أردت أن تزور أخا لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة. ﴿ يطاف عليهم بكأس من معين ﴾ [الصافات: 45]، وفي آية أخرى بين سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس

يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين

[الواقعة: 17-18]. الكأس يراد بها الخمر أو القدح الذي يوضع فيه الخمر ﴿ من معين ﴾ [الصافات: 45] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها بيضاء والبيضاء هي أصفى أنواع الخمر عند العرب. ﴿ لذة للشاربين ﴾ [الصافات: 46] ولم يقل لذيذة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٣٩