محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم..
[الفتح: 29]. إذن: فهم أشداء رحماء في وقت واحد، وهذا دليل على أن المؤمن لا تكيفه غرائزه إلا بمعدلات خالق الغرائز. من التكوينات أيضا في خلق الإنسان بعد الحواس والغرائز أن الله خلق في الإنسان العاطفة، والعاطفة شعور لا نعرف سببه لذلك تقابل شخصا فترتاح إليه وآخر تكرهه هكذا دون سابق تعامل، لماذا إذن تحب هذا وتكره ذاك؟ إنها العاطفة لذلك تحب ولدك ولو كان غبيا لأنك تحبه بعاطفتك، وتحب ابن عدوك الذكي تحبه بعقلك.
. لذلك لم يجعل الحق سبحانه العاطفة مجالا للتكليف. ويبين لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العاطفة في قوله لصحابته، وفيهم سيدنا عمر:
" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أمه وأبيه ونفسه ".
وقفت هذه الكلمة في نفس عمر. فقال: يا رسول الله، أنت أحب إلي من أمي وأبي أو من ولدي ومالي، لكن نفسي يا رسول الله؟ فكررها رسول الله مرة أخرى، حتى علم عمر أنها عزيمة، ولا بد أن رسول الله يقصد حبا غير الذي يراه عمر، إنه يقصد الحب العقلي، عندها قال عمر: الآن يا رسول الله، يعني: الآن أصبحت أحب إلي من أبي وأمي، وأحب إلي من ولدي ومالي، وأحب إلي من نفسي التي بين جنبي. إذن: المراد في حب رسول الله الحب العقلي، فلولاه صلى الله عليه وسلم ما اهتدينا ولا بلغنا الهدى، ولولاه لهلكنا، فأنت تحب محمدا صلى الله عليه وسلم كما تحب الدواء المر، لا تحبه بعاطفتك إنما بعقلك لذلك فهم سيدنا عمر أن الحب المطلوب شرعا حب العقل، وإن تحول بعد ذلك إلى عاطفة وعشق للذات، وهذه درجة أخرى أعلى من الأولى. والقرآن الكريم يعلمنا هذا في قول الله تعالى:
اعدلوا هو أقرب للتقوى
[المائدة: 8] يعني: لا يحملنكم البغض لقوم أن تظلموهم، وألا تعدلوا معهم، إذن: البغض غير ممنوع لأنه مسألة عاطفية، فأحبب من شئت، وابغض من شئت، لكن إياك أن يحملك الحب أو البغض على أن تظلم بأن تجامل من تحب، وتظلم من تكره. ولأن العواطف بهذا الشكل، يعني: ليس لها انضباط في الذات خرجت من نطاق التكاليف الشرعية لأنك لا تعرف لماذا مالت بك العاطفة لأن تحب أو تكره. وحين نتأمل الحواس والغرائز والعاطفة نجد أن الحواس ظاهرة معروفة فالعين ترى، والأذن تسمع.. الخ. وكذلك الغرائز ظاهرة بأثرها وأسبابها، فحين تجوع تطلب الطعام، وحين تريد أهلك تحن إليهم، أما العاطفة فشيء خفي غير ظاهر، لذلك يضرب لها القرآن مثلا ليس في الإنسان ولا حتى فيما دونه من الحيوان أو النبات إنما مثلا في الجماد، واقرأ قوله تعالى في عاقبة الكافرين قوم فرعون:
فما بكت عليهم السمآء والأرض..
[الدخان: 29]. ومعلوم أن البكاء مظهر عاطفي، فهل تبكي السماء؟ وهل تبكي الأرض؟ نعم تبكي وتنفعل، وكأنها تقول لهؤلاء: اذهبوا غير مأسوف عليكم، وإلا لما نفى الله عنها البكاء، ولم نستبعد ذلك؟ والسماء والأرض خلق من خلق الله خاضع للتسخير، ألم يقل الحق سبحانه:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء: 44]. إذن: لا غرابة أن يفرح الجماد حين يجد من يسبح معه وينسجم مع الكون المسبح، ولا غرابة أن يحزن، وأن يبكي عندما يشذ البشر عن هذه المنظومة المسبحة، وعليه يمكن القول بأن السماء والأرض لم تبك على هلاك قوم فرعون، وفرحت لهداية آسية امرأة فرعون.
إذن: للسماء والأرض انفعال وعاطفة فهي تحب وتكره، وتبكي وتفرح. وهذا المعنى أوضحه لنا الإمام علي رضي الله عنه، حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله - يبكيه لأنه حرم من صعود الكلم الطيب والعمل الصالح - أما موضعه في الأرض فمصلاه - يعني: المكان الذي كان يصلي فيه. كانت هذه مقدمة ضرورية ندخل بها على قصة سيدنا لوط في قوله تعالى: ﴿ وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه... ﴾.