تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37.58-61

فهم إذن يخافون فوات هذا النعيم، فيتساءلون ﴿ أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى ﴾ [الصافات: 58-59] يعني: ألسنا سنموت مرة أخرى ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ [الصافات: 59] أي: بعد ما نحن فيه من النعيم، أليس هناك شيء آخر نحاسب ونعذب عليه، كأن أمنيته أن يظل على هذه الحال من التنعم، فلا يفوته لا بموت ولا بتغير الحال من النعيم إلى العذاب. ﴿ إن هذا ﴾ [الصافات: 60] أي: ما نحن فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول، ولا يأتي بعده حساب آخر ولا عذاب ﴿ لهو الفوز العظيم ﴾ [الصافات: 60] ولا شك أن هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ [الصافات: 61]. فكأن الحق سبحانه يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة ليبين لنا أثر الإيمان وعاقبة العمل الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة والعظة، فكل عمل يؤدي إلى هذه العاقبة سهل هين، مهما تحملنا فيه من مشاق ومتاعب، وهو مكسب لا خسارة فيه.

37.62-65

الآيات هنا تراوح بين ذكر الجنة وما فيها من النعيم، وذكر النار وما فيها من العذاب، فتعود مرة أخرى إلى جهنم وعذابها ووصف ما فيها ﴿ أذلك ﴾ [الصافات: 62] أي: ما سبق ذكره من نعيم الجنة ﴿ خير ﴾ [الصافات: 62] أفضل، فهي بمعنى أفعل التفضيل. ﴿ نزلا ﴾ [الصافات: 62] أي: منزلا وضيافة. فالنزل ما يعد للضيف الطارئ من مسكن، فيه مقومات الحياة من مأكل ومشرب وخلافه، لذلك يسمون الفندق نزل، والفنادق مع ما فيها الآن من سبل الراحة هي ما أعده البشر للبشر، فما أدراك بما أعده رب البشر؟ لا بد أن تكون الضيافة على قدر إمكانات المضيف. ﴿ أم شجرة الزقوم ﴾ [الصافات: 62] وطبيعي أن نسأل: ما هي يا رب شجرة الزقوم؟ فيصفها الله لنا ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ [الصافات: 63] فتنة بمعنى: محنة وعذاب ﴿ إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ﴾ [الصافات: 64] أي: في وسطها. وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية نمو شجرة في وسط النار لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خذها في إطار تنزيه الحق عن قوانين الخلق. ومعنى ﴿ طلعها ﴾ [الصافات: 65] أي: ثمرها ﴿ كأنه رءوس الشياطين ﴾ [الصافات: 65] لكن نحن لم نر رءوس الشياطين، لذلك وقف بعض المستشرقين الذين يحاولون الاستدراك على كلام الله، وقف يقول: كيف يشبه الله في هذه الآية مجهولا بمجهول، فنحن لم نر شجرة الزقوم، ولم نر رءوس الشياطين، والتشبيه يأتي لتوضيح المشبه بذكر المشبه به، فما فائدة أن تشبه مجهولا بمجهول؟ نقول: مخ الإنسان فيه جزء للحافظة، وجزء للذاكرة، وجزء للتخيل يسمى مخيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء وتكون صورا جديدة متخيلة، لا أصل لها في الواقع. هنا أنت مع هذا التشبيه ﴿ طلعها كأنه رءوس الشياطين ﴾ [الصافات: 65] مع أنك لم تر رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النزل الذي أعده الله للمؤمنين في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين الصورتين مقصود، فكأن ربك عز وجل أراد أن يسوق لك العظة في وقت الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب. وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، منتنة الرائحة، مرة الطعم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلا للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم، قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذبين بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يكذبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعم لهم غير ثمرها. والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذبوا بها في الدنيا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٤٣