37.88-96
قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم ﴿ فنظر نظرة في النجوم ﴾ [الصافات: 88] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ليست هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمل الفاحصة المتأنية، فهي بمعنى رأى بتمعن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. يعني: تأمل وتأن. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءة ذاتية، لا أن يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمس نجم من النجوم. فقوله تعالى: ﴿ فنظر نظرة في النجوم ﴾ [الصافات: 88] دل على أنها نظرة طويلة متأملة مستوعبة، لأنها استوعبت كوكبا وقمرا وشمسا. لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه:
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين * فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ أكبر فلمآ أفلت قال يقوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين
[الأنعام: 75-79]. إذن: كانت نظرة إبراهيم طويلة متأنية لأنها استغرقت طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس وغيابها، فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأن تكون آلهة تعبد، قال: ﴿ إني سقيم ﴾ [الصافات: 89] البعض يعدها كذبة من كذبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض. إذن: أخذوا السقم على أنه سقم الأبدان والمراد هنا سقم القلب، وشغله بما لا يستطيع الإنسان تحمله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه وتؤرقه. وهذا هو السقم الذي أراده سيدنا إبراهيم ﴿ فقال إني سقيم ﴾ [الصافات: 89] أي: مجهد فكريا من إنكار الناس لقضية الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكن ينظر في النجوم ليرى دليلا يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس. لكن، ما الذي أحوجه أن يقول للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم الأصنام، يقول تعالى: ﴿ فتولوا عنه مدبرين ﴾ [الصافات: 90] أي: انصرفوا وتركوه. ﴿ فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ﴾ [الصافات: 91] معنى راغ: ذهب خفية، بحيث لا يراه أحد، أو تسلل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله بالعامية: فلان زوغ أو زاغ. وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ليحطمها، لكن قبل أن يحطمها استهزأ بها ﴿ فقال ﴾ [الصافات: 91] أي: للآلهة ﴿ ألا تأكلون ﴾ [الصافات: 91] فلم يجيبوا، فقال: ﴿ ما لكم لا تنطقون ﴾ [الصافات: 92] قالها سخرية واستهزاء بهم.
بعد ذلك مال عليهم ضربا ﴿ فراغ عليهم ضربا باليمين ﴾ [الصافات: 93] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه:
قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين
[الصافات: 28] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ يحطمها بقوة ويكسرها، حتى أحدث التكسير صوتا عاليا سمعه القوم ﴿ فأقبلوا إليه يزفون ﴾ [الصافات: 94] أي: مسرعين. فلما رآهم ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون ﴾ [الصافات: 95-96] الاستفهام هنا للتعجب وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلها من صنع أيديكم تنحتونه من الصخور، فأنتم أعلم الناس به، وترونه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه. إذن: كيف يعبد مثل هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى خلقكم، وخلق ما تعملون؟ وطبعا ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم رد على إبراهيم إلا رد القوة والبطش، فلا حجة لديهم، ولا منطق يدافعون به عن آلهتهم: ﴿ قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيدا... ﴾.