تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37.66-68

معنى: ستضطرهم الضرورة وتلجئهم لهذا المثل المكدر المنكد لهم، حيث لا طعام لهم غيرها ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ [الصافات: 66] ولن يأكلوا على قدر الضرورة، بل ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ [الصافات: 66] وعندما يملأون منها بطونهم تزداد النار فيها، فيريدون شرابا يطفىء هذه النار، فيكون شرابهم الحميم، والعياذ بالله. ﴿ ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ﴾ [الصافات: 67] الشوب هو الشيء المخلوط الممزوج، والحميم هو الماء الذي بلغ غاية الحرارة. وفي موضع آخر، سماه القرآن الغسلين هذا شرابهم والعياذ بالله، فإذا ما أكلوا وشربوا عادوا للجحيم مرة أخرى: ﴿ ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ﴾ [الصافات: 68]. ثم يبين الحق سبحانه علة ذلك، وسبب هذا المصير المؤلم، وأنه ليس ظلما لهم، إنما جزاء ما فعلوا: ﴿ إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين... ﴾.

37.69-70

يعني: وجدوا آباءهم على ضلال ﴿ فهم على آثارهم ﴾ [الصافات: 70] يعني: يتبعون طريقهم ويقلدونهم، ومعنى ﴿ يهرعون ﴾ [الصافات: 70] أي: يزعجون ويسرعون كأن شيئا يحملهم على الإسراع لأن هذا الفعل يهرعون مبني للمجهول. أى: لما لم يسم فاعله كما نقول: زكم فلان، فالفاعل غير معروف. ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لقال يهرعون بالفتح، إنما يهرعون كأن شيئا يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليف للنفس فيه ولا حجز للشهوة، لذلك يجري الإنسان إليه ويسرع في طلبه. أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه يضيق عليه مجال الشهوات، ويقيد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم يقلدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قيد التكاليف الشرعية. لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال سبحانه:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون

[الأعراف: 172-173]. وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من موضع من كتاب الله، فقال سبحانه:

وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ

[البقرة: 170] ويرد عليهم

أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون

[البقرة: 170]. فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلدهم من بعدهم وهكذا، ولاستمر منهج الله، إنما حكمتكم الشهوات، وسيطرت عليكم الرغبات، فأخرجتكم عن منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يعي هذا الضلال، ويأنف أن يتبعه، ويبحث عن هدى؟.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٤٥