37.11
قوله تعالى: ﴿ فاستفتهم ﴾ [الصافات: 11] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، يعني: سلهم، واستفتى طلب الفتوى لأن الألف والسين والتاء تدل على الطلب، والفتوى من الفتوة، فحين يكون الإنسان بصدد شيء، يريد أن ينفذه، ولا يعرف فيه طريق الحق والصواب يذهب إلى من هو أعلم منه يستفتيه. يعني: يطلب منه الفتوى أو الفتوة، والقوى الدافعة له على العمل، فكأنه كان ضعيفا وأراد أن يقوى برأي غيره. فكأن الحق - سبحانه وتعالى - استأمنهم أن يفتوا، وأن يجيبوا هم لأنه سبحانه واثق من أن الخصوم لن يجدوا إلا قولة الحق ينطقون بها لذلك لم يأت سبحانه بالمراد إخبارا، إنما أتى به إقرارا منهم وشهادة لأن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإقرار فلا يستطيع أحد إنكاره لذلك قالوا: الإقرار سيد الأدلة. ومضمون السؤال ﴿ فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ ﴾ [الصافات: 11]؟ يعني: أهم وأعظم وأشد خلقا من السماء والأرض، ثم لم يأت بالجواب لوضوحه، ولن يكون إلا أن خلق السماء والأرض أشد من خلقهم وأعظم لذلك قال سبحانه في موضع آخر:
لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون
[غافر: 57]. فإن أردت أن تدلل على هذه المسألة فتأمل خلقك وخلق السماوات والأرض، فالسماء والأرض مع أنهما يخدمانك، إلا أنهما أطول عمرا منك وأبقى، فهما منذ خلقهما الله باقيان لم يزولا، أما الإنسان فيموت وهو طفل، ويموت وهو شاب، ويموت وهو شيخ، يموت ويترك التركة باقية تتوارثها الأجيال. إذن: هما أشد وأقوى لأنهما مخلوقان خلقة دائمة، وأقوى من ناحية أنهما محكومان باختيارهما حين قالتا:
أتينا طآئعين
[فصلت: 11]. فاختارا أن تكونا مسخرتين قال تعالى:
إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. وقلنا: إن هناك فرقا بين قدرة النفس على تحمل الأمانة وقدرتها على الأداء، فقد تتحمل الأمانة وتنوى أداءها، لكن لا تضمن نفسك عند الأداء، فربما تغيرت الظروف، أو طرأ عليك ما يحول بينك وبين أدائها لذلك امتنعت السماوات والأرض عن حمل الأمانة، وخرجت عن مرادها لمراد ربها، فكانت مسخرة. إذن: فهي أيضا مخيرة إلا أنها اختارت بكلمة واحدة منسحبة على الزمن كله، أما الإنسان فاختار أن يكون مختارا ينفذ أو لا ينفذ. ثم إن السماء والأرض وما بينهما وما فيهما من مخلوقات وكواكب وأجرام وأفلاك تسير وفق نظام دقيق محكم، لا يشذ ولا يتخلف أبدا:
الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان
[الرحمن: 5-6]. وقال:
لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
[يس: 40].
أما الإنسان فيتخبط في الحياة، ويخالف منهج ربه، وينحرف عن الطريق الذي رسم له. إذن: أيهما أعظم خلقا، وأشد تكوينا، وأصح أداء؟ لا يسع هؤلاء الكفار رغم كفرهم إلا أن يقولوا: السماوات والأرض أشد وأعظم من خلق الإنسان. ومثال ذلك حين سألهم الله
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله
[الزخرف: 87]
ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله
[الزمر: 38] لأن هذه كلها حقائق لا تنكر، حتى من الكفار. ثم يسوق لهم الحق سبحانه دليلا على صدق هذه المسألة، فيقول: ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ [الصافات: 11] يعني: هذا أصلهم، فأين هم من خلق السماوات والأرض؟ ومعنى ﴿ لازب ﴾ [الصافات: 11] يعني: طين متماسك بعضه ببعض، فهو وسط بين السيولة والصلابة، يعني: أشبه ما يكون بطين الصلصال الذي نوزعه على التلاميذ في المدارس، والطين تراب وضع عليه الماء، فإن زاد الماء صار الطين لينا يسيل من يدك، وإن قل الماء جف وتصلب. لذلك وقف المستشرقون عند مراحل التكوين الإنساني يعترضون: من أي شيء خلق الإنسان، والقرآن قال