فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
[طه: 117] ولم يقل: فتشقيا. والحق سبحانه وتعالى وضع لنا في هذه الآية إشارة رمزية منذ أول الخلق، لتحل لنا مشكلة وقضية ما زال العالم يتحدث فيها إلى الآن وسيظل، إنها قضية خروج المرأة للعمل والمساواة بالرجل، وأن المرأة تريد أن تثبت ذاتها.. الخ. وعجيب أن تطالب المرأة بالمزيد من المسئوليات، فهى تريد أن تأخذ من مهمة الرجل، في حين أن الرجل لن يأخذ من مهمتها شيئا، ولن يحمل عنها عبئا من أعبائها، الرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع. إذن: أخذت أنت مهمة الرجل مضافا إليها مهمتك الخاصة التي لا يقوم هو بها، وفي هذا ظلم للمرأة. فقوله تعالى لآدم
فتشقى
[طه: 117] دل منذ أول الخلق على أن الشقاء والكدح والعمل وتحمل المسئولية مهمة الرجل، وأن المرأة سيدة في بيتها معززة مكرمة، وهذه الصورة ظلت موروثة في مجتمعاتنا بدون تضليل وبدون انطماس، فحتى الآن حين يتقدم شاب لخطبة البنت يشترط عليه كبير العائلة يقول أنت حتستتها ولا حتشغلها يعني: أتجعلها سيدة مصونة في بيتها، أم أنك ستخرجها للعمل؟ البعض يقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟ فهو إذن مثل الشيطان: هذا عصى وهذا عصى. نقول: عصى آدم وهو فى فترة التدريب التي لا يؤاخذ فيها المخطئ، بل نصحح له دون مؤاخذة، فالتلميذ في المدرسة يصوب له المعلم خطأه باللون الأحمر دون أن يحاسبه عليه، إلى أن يأتي اختبار آخر العام، فيحاسبه على الخطأ. فآدم حين أخطأ كان في فترة التدريب، وقد صوب الله له خطأه، ثم إنه لم يكن نبيا في هذه الفترة، لأن آدم خلق ليكون أبا للبشر جميعا، والبشر سيقسمون إلى قسمين: قسم مصطفى وهم الرسل، وقسم مصطفى عليه وهم المرسل إليهم. إذن: آدم في البداية كان يمثل القسمين، وجاءت تجربته تمثل عصيان البشر وعصمة الأنبياء، لذلك أخطأ فصوب الله له، ثم تاب فتاب الله عليه واصطفاه، وكذلك حال البشر واقرأ:
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121] هذه إشارة إلى ما سيكون من البشر
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 122]. إذن: الاجتباء والعصمة جاءت بعد التجربة الأولى لأن آدم مثل الجميع، مثل عصيان البشر، ومثل عصمة الأنبياء. هذا الخليفة طرأ على وجود خلق له قبل أن يوجد لا أن الله خلقه، ثم نظر ماذا يريد وماذا يحتاج، ثم خلقه سبحانه خلقا يناسب قيامه بمهمته في عمارة الأرض
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها
[هود: 61]. ولم يجعل الحق سبحانه العبادات الأصيلة - أي أركان الإسلام - هي كل حركة الحياة، بل جعلها هي الشحنة التي تعينك على حركة الحياة لذلك من قال إن الإسلام هو هذه الأركان يؤديها وحسب نقول له: لا لأن هذه الأركان بها تستمد القوة من الله لتنجح في حركة الحياة، والإسلام أوسع من هذه الخمس بكثير، بدليل قوله تعالى في سورة الجمعة:
يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع
[الجمعة: 9]. إذن: ناداهم وأخذهم من شغل ومن عمل هو قمة حركة الحياة، ألا وهو البيع، وإن كان البيع مرتبطا بالشراء إلا أنه أقوى، لذلك خصه بالذكر ولم يقل: وذروا البيع والشراء، لماذا؟ قالوا: لأنه سبحانه خالق الطبع الإنساني، ويعلم أن الإنسان ثقيل عند الشراء غير حريص عليه، لكنه حريص عليه، لكنه حريص على البيع ويسعى إليه لذلك عندما يكلفك أهل البيت بشراء شيء ربما تماطل في شرائه أو تؤجله، وتسر حين تذهب فتجد المحل مغلقا، أما لو كنت بائعا فإنك تحرص كل الحرص على أن تبيع، لماذا؟ لأن المشتري ينفق والبائع يأخذ لذلك ذكر الحق سبحانه البيع لأنه ثمرة الحركة. وبعد انتهاء الصلاة قال:
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله..
[الجمعة: 10] إذن: أخذك للصلاة من عمل، وأعادك بعد الصلاة إلى العمل والسعي. وحين تتأمل لفظ الحديث: