إنك لمن المرسلين
[يس: 3] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إن أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قدر الإنكار. فإذا قال الحق سبحانه مثلا:
لا أقسم بيوم القيامة
[القيامة: 1] أو:
لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد * لقد خلقنا الإنسان في كبد
[البلد: 1-4] وفي:
فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة: 75-76]. وفي هذه الآيات. قسم بدليل أن له جوابا، لكن لماذا نفاه القرآن، فقال لا أقسم قالوا: لأن نفى القسم هنا أشد من القسم المثبت لأن القسم إنما جاء لتأكيد المقسم عليه، ومعنى لا أقسم أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قسم، القسم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أما هذا الأمر فواضح بين، ومع ذلك سأقسم لك. ومعنى ﴿ والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتليت ذكرا ﴾ [الصافات: 1-3] قالوا: الصافات صفا هي الملائكة تصف، والصف انسجام مجموعة بحيث لا يشذ فيها فرد عن فرد، فالصف لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط،
" لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان في استعراض الجنود في المعركة يسوي الصفوف، فلما رأى رجلا شذ عن الصف وخرج عنه فشكه في بطنه ليستقيم في مكانه من الصف، وكان الرجل محبا لرسول الله، فقال: أوجعتني يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه بطني اقتص منها " فأقبل الرجل يقبل رسول الله ويقول: والله يا رسول الله لقد أملت أن أستشهد، فأحببت أن يكون آخر عهدي بالحياة أن يمس جسدي جسدك الشريف ".
والصف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقي الأوامر، وهكذا تصف الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره. وإذا استعرضت مادة ص ف ف في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى:
فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا
[طه: 64] يعني: مجتمعين متحدين، وقال:
وجآء ربك والملك صفا صفا
[الفجر: 22]. وقال:
أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن
[الملك: 19]. صحيح، ترى الطائر في السماء باسطا أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضا ثابتا في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلا على صدق الحق في قوله تعالى:
إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده
[فاطر: 41]. إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم. ويقول عن الملائكة عموما:
وإنا لنحن الصآفون
[الصافات: 165] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممن أنت أمامه مصفوفا. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في نعيم الجنة:
ونمارق مصفوفة
[الغاشية: 15]. بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى:
إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص
[الصف: 4] معنى
في سبيله
[الصف: 4] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفا واحدا كأنه البنيان المرصوص لذلك قال تعالى:
فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم
[التوبة: 122]. فالعالم لا يقاتل لأن مهمته حمل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صدق الدعوة لأن الدعوة لو لم تكن صادقة في نفس صاحبها لما ضحى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه. وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال. إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسنان، ولابد أن يعلم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليكره غير المؤمن على الإيمان لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلادا كثيرة، وظلت على دينها.