وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن
[البقرة: 124] أعطاه الله منزلة عظيمة، وأطلعه على الملكوت الذي غاب عن غيره، فقال سبحانه:
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75] وما يترتب من عالم الملك المشاهد لنا ناشئ عن عالم الملكوت الذي لا ندركه. والحق سبحانه وتعالى يشير إلى هذا العالم - عالم الملكوت - في قوله تعالى:
يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا
[الأنفال: 29]. كيف، ونحن ما اتقينا الله إلا بالفرقان أي: بالقرآن، فما معنى
يجعل لكم فرقانا
[الأنفال: 29]؟ قالوا: الفرقان هنا أن يريك الله ملكوت السماوات والأرض. وقوله سبحانه: ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ [فاطر: 13] يعني: إن كان الإله الحق خلق لكم كذا كذا، وسخر لكم الشمس والقمر، فإن آلهتكم المدعاة المزعومة ﴿ ما يملكون من قطمير ﴾ [فاطر: 13] فما القطمير؟ المتأمل في القرآن الكريم يجده يولي اهتماما كبيرا للنخلة، وأول ما خاطب خاطب العرب، وهم أول من ووجهوا بالإسلام ودعوا إليه، فخاطبهم القرآن بما يناسبهم، وذكر لهم أمثلة من بيئتهم، والنخلة مشهورة في البيئة العربية، ولها في ديننا منزلة، حتى أنه نسب إلى سيدنا رسول الله أنه قال " أكرموا عمتكم النخلة ". وهذا القول وإن لم يصح عن رسول الله إلا أن الذي قاله لم يقله من فراغ، ولا بد أن لهذا القول أصلا، وأن هناك صلة بين الإنسان والنخلة.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه:
" إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ".
فلما سمع عبد الله بن عمر هذا قال لأبيه: لقد وقع في نفسي أنها النخلة، لأنها لا يسقط ورقها، وهي أشبه بالمؤمن، فكل ما فيها نافع فبكر عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن ابني عبد الله قال عن الشجرة التي ذكرت أنها النخلة. فقال: صدق، فقال عمر: فوالله ما يسرني أن يكون لي بها حمر النعم، يعني: فرح أن يفهم ابنه مقالة رسول الله. وقد حاول العلماء تقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان وإثبات النسب بين الإنسان والنخلة، وأنها ربما تكون قد خلقت من بقية طينة سيدنا آدم، فقالوا: إن رائحة طلع النخلة الذي يتم به التلقيح هي نفس رائحة المني عند الإنسان، وهذا يرجح صدق قول من قال إنها عمتنا. وفي خلق النخلة على هذه الصورة عجائب وأسرار، ويكفي أن كل ما فيها نافع، ولا يرمى منها شيء، وقد جعلها الله موضعا للمثل والعبرة، فلما حدث العرب عن الهلال، قال:
والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم
[يس: 39]. والعرجون هو السباطة التي تحمل البلح حين تيبس تلتوي وتتقوس، فقرب لهم الأعلى بذكر الأدنى المعروف لهم. خذ مثلا نواة التمرة، وهي أهون ما يكون، إلا أن الله تعالى كرمها حين ذكر منها ثلاثة أجزاء جعلها أمثالا توضيحية. ذكر القطمير الذي معنا في هذه الآية ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ [فاطر: 13] وهو الغشاء الشفاف الذي يحيط بالنواة، ونجد مثله بين بياض البيضة وقشرتها. وذكر النقير في قوله سبحانه:
فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا
[النساء: 124] والنقير تجويف صغير، أو نقرة في ظهر النواة. وذكر الفتيل في قوله تعالى:
قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا
[النساء: 77] والفتيل خيط أبيض تجده في بطن النواة، وهذه الثلاث: القطمير والنقير والفتيل تضرب مثلا للشيء اليسير المتناهي في القلة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم... ﴾.