أهدى لمجلسه الكريم وإنما
أهدى له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما له
فضل عليه لأنه من مائه
ومعلوم أن الماء في الكون له دورة معروفة، قال الله فيها:
والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا
[الذاريات: 1-3]. فالماء الذي خلقه الله في الكون هو هو لا يزيد ولا ينقص، فما يستهلكه الإنسان مثلا من الماء يخرجه على شكل فضلات وبول وعرق.. إلخ وما تبقى في جسمه من نسبة المائية وهي 90 في المائة من وزنه تمتصها الأرض بعد موته، كذلك الزرع والحيوان، فهي إذن دورة معروفة مشاهدة، كذلك فالحياة دورة فحين نقول لك: إن الله قادر على إعادتها فخذ من المشاهد دليلا على صدق ما غاب.
وقوله سبحانه: ﴿ ومن كل.. ﴾ [فاطر: 12] أي: ما من الماءين العذب والمالح ﴿ تأكلون لحما طريا ﴾ [فاطر: 12] والمراد السمك، وهو في الماء العذب كما في الماء المالح، والطعم واحد، ولم تجد مثلا أسماك الماء المالح مالحة كالفسيخ مثلا أو السردين، ذلك لأن الكائن الحي يمتص ما يحتاج إليه، ويترك العناصر الأخرى. وكلمة ﴿ لحما طريا ﴾ [فاطر: 12] إشارة إلى أن السمك ينبغي أن يؤكل طريا طازجا، فإن يبس وخرج عن طراوته فلا تأكله، وقد اشتهر عن العرب اللحم القديد، حيث كانوا يجففون لحم الأنعام في حر الشمس ويقددونه ليعيش فترة أطول، فهي طريقة من طرق حفظ اللحوم تناسب لحوم الأنعام، أما لحوم الأسماك فتفسد إن خرجت عن هذا الوصف ﴿ لحما طريا.. ﴾ [فاطر: 12]. ثم يذكر الحق سبحانه نعمة أخرى من نعم البحر: ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ [فاطر: 12] والحلية ما يتزين به من اللؤلؤ والمرجان وغيرهما مما يخرج من البحر، وهذه زينة عامة للرجال وللنساء على خلاف حلية الذهب التي تحرم على الرجال، فللرجل أن يتحلى بما يشاء من حلية البحر، فلا نهي عن شيء منها، وحتى حلية الذهب للنساء، فإن المرآة تتحلى بها لمن؟ للزوج. ﴿ وترى الفلك فيه مواخر ﴾ [فاطر: 12] أي: السفن في البحر ﴿ مواخر ﴾ [فاطر: 12] يعني: تشق البحر شقا في رحلات الصيد أو رحلات السفر، وهنا مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني، فالخطاب في القرآن أول مخاطب به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تخاطب أمته من باطن خطابه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يركب البحر ولا رآه. فحين يقول القرآن على لسانه:
وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام
[الرحمن: 24] يعني: كالجبال الشامخة. نقول: ومتى ظهرت السفن العملاقة التي توصف بهذا الوصف؟ إنها لم تظهر إلا في العصر الحديث، وكانت قبل سفنا عادية بدائية، فمن الذي أخبر سيدنا رسول الله بهذا التقدم الجاري الآن في صناعة السفن، حتى إنه ليخيل لك أنها مدينة متحركة على أمواج البحر. وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ [فاطر: 12] تطلبوا رزق الله وفضل الله في حركة السفن، سواء كانت للصيد أو للسفر ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ [فاطر: 12] كلمة لعل كما نعلم تدل على الرجاء، والمعنى: لعلكم بعد كل هذه النعم تقابلونها بالشكر، وفي هذا إشارة إلى قلة من يشكر. بعد ذلك ينتقل بنا السياق إلى ظاهرة أخرى وآية من آيات الكون: ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل... ﴾.