تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31.34

بعد أن حذرنا ربنا - تبارك وتعالى - من الغرور في الحياة الدنيا يذكرنا أن بعد هذه الحياة حياة أخرى، وقيامة وساعة ﴿ إن الله عنده علم الساعة.. ﴾ [لقمان: 34] والساعة لا تعني القيامة فحسب، إنما لكل منا ساعته، لأنه من مات فقد قامت قيامته. لماذا؟ لأنه انقطع عمله، ولا يمكنه تدارك ما فاته من الإيمان أو العمل الصالح، فكأن قيامته قامت بموته. وقلنا: إن عمر الدنيا بالنسبة لك هو مقدار عمرك فيها، وإن كان عمر الدنيا على الحقيقة من لدن آدم - عليه السلام - إلى قيام الساعة، لكن ماذا استفدت أنت من عمر غيرك؟ إذن: لا ينبغي أن تقول: إن الدنيا طويلة لأن عمرك فيها قصير، ثم إنك لا تعلمه، ولا تستطيع أن تتحكم فيه، وكما أبهم الله الساعة أبهم الأجل لأن في إبهامه أنفع البيان، فلما أبهم الله الأجل جعل النفس البشرية تترقبه في كل لحظة، فكل لحظة تمر عليك يمكن أن يأتيك فيها الموت. وهكذا أشاع الموت في كل الزمن، وما دام الأمر كذلك فلا بد أن ينتبه الإنسان ويخشى أن يموت وهو على معصية، فالإبهام هنا هو عين البيان. وقلنا: إن الذين ماتوا من لدن آدم عليه السلام يلبثون في قبورهم طوال هذه المدة، فإذا ما قامت القيامة

كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها

[النازعات: 46] لماذا؟ قالوا: لأن قياس الزمن إنما يتأتى بالأحداث، فحيث لا توجد أحداث لا يوجد زمن. ومثلنا لذلك بأهل الكهف الذين مكثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، ومع ذلك لما سأل بعضهم بعضا

كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم..

[الكهف: 19]. لماذا؟ لأن النوم يخلو من الأحداث، فلا يشعر النائم فيه بالزمن، كما أنهم لما رأى بعضهم بعضا بعد هذه الفترة رآه على حالته التي نام عليها لم يتأثر بمرور هذه المدة، ولم تتغير هيئته، فأقصى ما يمكن تصوره أن يقول: لبثنا يوما أو بعض يوم. وكذلك الحال في قصة العزير الذي قال الله عنه:

أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم..

[البقرة: 259] لأن هذه هي أطول مدة يمكن أن ينامها الإنسان. ثم أخبره ربه

بل لبثت مائة عام..

[البقرة: 259] ويريد الحق سبحانه أن يدلل على صدق الرجل في قوله يوما أو بعض يوم، وعلى صدقه تعالى في قوله مائة عام، فيقول سبحانه:

فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه..

[البقرة: 259] أي: لم يتغير. وهذا دليل على صدقه في يوم أو بعض يوم

وانظر إلى حمارك..

[البقرة: 259]. وهذا دليل على صدق الحق - تبارك وتعالى - في قوله

مائة عام..

[البقرة: 259] فكلا القولين صادق لأن الله تعالى هو القابض الباسط، يقبض الزمن في حق قوم، ويبسطه في حق آخرين. وهذه الآية جمعت خمسة أمور استأثر الله تعالى بعلمها: ﴿ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت.. ﴾ [لقمان: 34]. فهل هذه هي كل الغيبيات في الكون؟ نقول: في الكون غيبيات كثيرة لا نعرفها، فلا بد أن هذه الخمس هي المسئول عنها، وجاء الجواب على قدر السؤال، بالله لو هبت الريح، وحملت معها بعض الرمال، أنعرف أين ذهبت هذه الذرات؟ وفي أي ناحية، أنعرف ورق الشجر كم تساقط منها؟ هذه كلها غيبيات لا يعلمها أيضا إلا الله، أما نحن فلا نعلم حتى عدد النعم التي أنعم الله بها علينا

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها..

[إبراهيم: 34]. إذن: فهذه نماذج لما استأثر الله بعلمه لأن الله تعالى قال:

ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم

[لقمان: 27]. فلله تعالى في كونه أسرار لا تحصى، أجل الله ميلادها لنعلم أننا في كل يوم نجهل ما عند الله، وكل يوم يطلع علينا العلماء والباحثون بجديد من أسرار الكون - هذا ونحن لا نزال في الدنيا، فما بالنا في الآخرة، وفي الجنة إن شاء الله؟ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٧٢