تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31.33

خطاب الحق سبحانه لعباده بيأيها الناس يدل على أنه تعالى يريد أن يسعدهم جميعا في الآخرة، وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي الذي تقول فيه الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم، وقالت البحار: نغرقه... إلخ، فكان الرد من الخالق عز وجل

" دعوني وخلقي، فلو خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ".

وقوله تعالى: ﴿ اتقوا ربكم.. ﴾ [لقمان: 33] التقوى أن تجعل بينك وبين ما يضرك وقاية تقيك وتحميك لذلك يقول تعالى في آية أخرى

واتقوا النار..

[آل عمران: 131] وهما بمعنى واحد لأن معنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات جلال ربكم وانتقامه وجبروته وقاية، وكذلك في: اتقوا النار. فالخطاب هنا عام للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى يريد أن يدخلهم جميعا حيز الإيمان والطاعة، ويريد أن يعطيهم ويمن عليهم ويعينهم، وكأنه سبحانه يقول لهم: لا أريد لكم نعم الدنيا فحسب، إنما أريد أن أعطيكم أيضا نعيم الآخرة. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، كان رحيما حتى بالكافرين والمعاندين له، كما ذكرنا في قصة اليهودي الذي اتهموه ظلما بسرقة درع أحد المسلمين، وقد عز على المسلمين أن يرمى واحد منهم بالسرقة، فجعلوها عند اليهودي، وعرضوا الأمر على سيدنا رسول الله، فأداره في رأسه: كيف يتصرف فيه؟ فأسعفه الله، وأنزل عليه:

إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله..

[النساء: 105] لا بين المؤمنين فحسب

ولا تكن للخآئنين خصيما

[النساء: 105] أي: لا تخاصم لصالح الخائن، وإن كان مسلما، فالناس جميعا سواء أمام مسئولية الإيمان. وفرق بين: اتقوا ربكم واتقوا الله لأن عطاء الربوبية غير عطاء الألوهية، عطاء الربوبية إيجاد من عدم، وإمداد من عدم، وتربية للمؤمن وللكافر، أما عطاء الألوهية فطاعة وعبادة وتنفيذ للأوامر، فاختار هنا الرب الذي خلق وربى، وكأنه سبحانه يقول للناس جميعا: من الواجب عليكم أن تجعلوا تقوى الله شكرا لنعمته عليكم، وإن كنتم قد كفرتم بها. ولا تنتهي المسألة عند تقوى الرب في الدنيا، إنما ﴿ واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده.. ﴾ [لقمان: 33] أي: خافوا يوما ترجعون فيه إلى ربكم، وكلمة يوم تأتي ظرفا، وتأتي اسما متصرفا، فهي ظرف إذا كان هناك حدث سيحدث في هذا اليوم كما تقول: خفت شدة الملاحظة يوم الامتحان، فالخوف من الحدث، لا من اليوم نفسه، أما لو قلت خفت يوم الامتحان، فالخوف من كل شيء في هذا اليوم، أي من اليوم نفسه. فالمعنى هنا ﴿ واخشوا يوما.. ﴾ [لقمان: 33] لأن اليوم نفسه مخيف بصرف النظر عن الجزاء فيه، وفي هذا اليوم { لا يجزي والد عن ولده.

. } [لقمان: 33] خص هنا الوالد والولد لأنه سبحانه نصح الجميع، ثم خص الوالدين في الوصية المعروفة

ووصينا الإنسان بوالديه..

[لقمان: 14]. ثم ذكر حيثيات هذه الوصية وقال:

أن اشكر لي ولوالديك..

[لقمان: 14] فجعل لهما فضلا وميزة ومنزلة عند الله، حتى أصبحا مظنة النفع حتى يوم القيامة، فأراد سبحانه أن يبين لنا أن نفع الوالد لولده ينقطع في الآخرة، فكل منهما مشغول بنفسه، فلا ينفع الإنسان حتى أقرب الناس إليه. وفي سورة البقرة:

واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا..

[البقرة: 48] أي: مطلق النفس، لا مجرد الوالد والولد، إنما عامة الناس لا ينفع أحد منهم أحدا أيا كان. والآية بهذا اللفظ وردت في موضعين: اتفقا في الصدر، واختلفا في العجز، وهي تتحدث عن نفسين: الأولى هي النفس الجازية أي: التي تتحمل الجزاء، والأخرى هي النفس المجزية التي تستحق العقوبة. فالآية التي نظرت إلى النفس المجزي عنها، جاء عجزها

ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة..

[البقرة: 123]. ومعنى: عدل أي فدية، فالنفس المجزي عنها أول مرحلة عندها لتدفع عن نفسها العذاب أن تعرض الفدية، فلا يقبل منها فدية، لكنها لا تيأس، بل تبحث عمن يشفع لها من أصحاب الجاه والمنزلة يتوسط لها عند الله، وهذه أيضا لا تنفع. أما النفس الجازية، فأول ما تعرض تعرض الشفاعة، فإن لم تقبل عرضت العدل والفدية لذلك جاء عجز الآية الأخرى الذي اعتبر النفس الجازية بتقديم الشفاعة على العدل. إذن: ذيل الآية الأولى عائد على النفس المجزي عنها، وذيل الآية الثانية يعود على النفس الجازية. وهنا ﴿ لا يجزي والد عن ولده.. ﴾ [لقمان: 33] لأن الوالد مظنة الحنان على الولد، وحين يرى الوالد ولده يعذب يريد أن يفديه، فقدم هنا الوالد ثم قال: ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.. ﴾ [لقمان: 33] فقدم المولود، وكان مقتضى الكلام أن نقول: ولا يجزي ولد عن والده، فلماذا عدل عن ولد إلى مولود؟ الكلام هنا كلام رب، وفرق كبير بين ولد ومولود لأن المسلمين الأوائل كان لهم آباء ماتوا على الكفر، فظنوا أن وصية الله بالوالدين تبيح لهم أن يجزوا عنهم يوم القيامة، فأنزل الله هذه الآية تبين لهؤلاء ألا يطمعوا في أن يدفعوا شيئا عن آبائهم الذين ماتوا على الكفر. لذلك لم يقل هنا ولد، إنما مولود، لأن المولود هو المباشر للوالد، والولد يقال للجد وإن علا فهو ولده، والجد وإن علا والده، فإذا كانت الشفاعة لا تقبل من المولود لوالده المباشر له، فهي من باب أولى لا تقبل للجد لذلك عدل عن ولد إلى مولود، فالمسألة كلام رب حكيم، لا مجرد رصف كلام. لكن، متى يجزي الوالد عن الولد، والمولود عن والده؟ قالوا: الولد ضعيف بالنسبة لوالده يحتاج منه العطف والرعاية، فإذا رأى الوالد ولده يتألم سارع إلى أن يشفع له ويدفع عنه الألم، أما الولد فلا يدفع عن أبيه الألم لأنه كبير، إنما يدفع عنه الإهانة، فالوالد يشفع في الإيلام، والولد يشفع في الإهانة، فكل منهما مقام.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٦٩