تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كمثل الحمار يحمل أسفارا..

[الجمعة: 5] فهل يعد هذا ذما للحمار؟ لا، لأن الحمار مهمته الحمل فحسب، إنما يذم منهم أن يحملوا كتاب الله ولا يعملوا به، فالحمار مهمته أن يحمل، وأنت مهمتك أن تفقه ما حملت وأن تؤديه. فالاعتدال في الصوت أمر ينبغي أن يتحلى به المؤمن حتى في الصلاة وفي التعبد يعلمنا الحق سبحانه:

ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا

[الإسراء: 110] أما ما تسمعه من الجعر في مكبرات الصوت والنواح طوال الليل فلا ينالنا منه إلا سخط المريض وسخط صاحب العمل وغيرهم، ولقد تعمدنا عمل إحصاء فوجدنا أن الذين يأتون إلى المسجد هم هم لم يزيدوا شيئا ب الميكروفونات. كذلك الذين يرفعون أصواتهم بقراءة القرآن في المساجد فيشغلون الناس، وينبغي أن نترك كل إنسان يتقرب إلى الله بما يخف على نفسه: هذا يريد أن يصلي، وهذا يريد أن يسبح أو يستغفر، وهذا يريد أن يقرأ في كتاب الله، فلماذا تحمل الناس على تطوعك أنت؟ بعد أن عرضت لنا الآيات طرفا من حكمة لقمان ووصاياه لولده تنقلنا إلى معنى كوني جديد: ﴿ ألم تروا أن الله... ﴾.

31.20

التسخير: هو الانقياد للخالق الأعلى بمهمة يؤديها بلا اختيار في التنقل منها، كما سخر الله الشمس والقمر.. إلخ، فعلى الرغم من أن كثيرا من الناس منصرفون عن الله وعن منهج الله لم تتأب الشمس في يوم من الأيام أن تشرق عليهم، ولا امتنع عنهم الهواء، ولا ضنت عليهم الأرض بخيراتها ولا السماء بمائها، لماذا؟ لأنها مسخرة لا اختيار لها. ولا نفهم من ذلك أن الله سخر هذه المخلوقات رغما عنها، فهذا فهم سطحي لهذه المسألة، حيث يرى البعض أن الإنسان فقط هو الذي خير، إنما الحقيقة أن الكون كله خير، وهذا واضح في قول الله تعالى:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72]. إذن: فالجميع خير، خيرت السماوات والأرض والجبال فاختارت أن تكون مسخرة لا إرادة لها، وخير الإنسان فاختار أن يكون مختارا لأن له عقلا يفكر به ويقارن بين البدائل. ومعنى التسخير أنك لا تستطيع أن تخضع ما ينفعك من الأشياء في الكون بعقلك ولا بإرادتك ولا بالمنهج، والدليل على ذلك أنك إذا صدت طيرا وحبسته في قفص ومنعته من أن يطير في السماء وتريد أن تعرف: أهو مسخر لك أم غير مسخر وحبسه حلال أم حرام؟ فافتح له باب القفص، فإن ظل في صحبتك فهو مسخر لك، راض عن بقائه معك باللقمة التي يأكلها أو المكان الذي أعددته له، وإن خرج وترك صحبتك فاعلم أنه غير مسخر لك، ولا يحق لك أن تستأنسه رغما عنه. لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما مر بغلام صغير يلعب بعصفور أراد أن يعلمه درسا وهو ما يزال عجينة طيعة، فأقنعه أن يبيعه العصفور، فلما اشتراه عمر وصار في حوزته أطلقه، فقال الغلام: فو الله ما قصرت بعدها حيوانا على الأنس به. وسبق أن تكلمنا عن مسألة التسخير، وكيف أن الله سخر الجمل الضخم بحيث يسوقه الصبي الصغير ولم يسخر لك مثلا البرغوث فلو لم يذلل الله لك هذه المخلوقات ويجعلها في خدمتك ما استطعت أنت تسخيرها بقوتك. وقوله تعالى: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة.. ﴾ [لقمان: 20] أسبغ: أتم وأكمل، ومنها قوله تعالى عن سيدنا داود:

أن اعمل سابغات..

[سبأ: 11] أي: دروعا ساترة محكمة تقي لابسها من ضربات السيوف وطعنات الرماح، والدروع تجعل على الأعضاء الهامة من الجسم كالقلب والرئتين، وقد علم الله تعالى داود أن يصنع الدروع على هيئة الضلوع، ليست ملساء، إنما فيها نتوءات تتحطم عليها قوة الضربة، ولا تتزحلق فتصيب مكانا آخر. وروي أن لقمان رأى داود - عليه السلام - يعجن الحديد بين يديه فتعجب، لكنه لم يبادره بالسؤال عما يرى وأمهله إلى أن انتهى من صنعته للدرع، فأخذه ولبسه وقال: نعم لبوس الحرب أنت، فقال لقمان: الصمت حكم وقليل فاعله فظلت حكمة تتردد إلى آخر الزمان.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٤٣