" يا عبادي: إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ".
بعد ذلك يدخل لقمان في وعظه لولده مجال التكليف، فيقول له: ﴿ يبني أقم الصلاة... ﴾.
31.17
هذه مسائل أربع بدأها لقمان بإقامة الصلاة، والصلاة هي الركن الأول بعد أن تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وعلمنا أن الصلاة لأهميتها فرضت بالمباشرة، ولأهميتها جعلت ملازمة للمؤمن لا تسقط عنه بحال، أما بقية الأركان فقد تسقط عنك لسبب أو لآخر، كالصوم والزكاة والحج، فإذا سقطت عنك هذه الأركان لم يبق معك إلا الشهادتان والصلاة لذلك جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عماد الدين. ولذلك بدأ بها لقمان: ﴿ يبني أقم الصلاة.. ﴾ [لقمان: 17] لأنها استدامة إعلان الولاء لله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة، فحين يناديك ربك الله أكبر فلا ينبغي أن تنشغل بمخلوق عن نداء الخالق، وإلا فما موقف الأب مثلا حين ينادي ولده فلا يجيبه؟ فاحذر إذا ناداك ربك ألا تجيب. ثم تأمل النداء للصلاة الذي اهتدت إليه الفطرة البشرية السليمة، وأقره سيدنا رسول الله: الله أكبر الله أكبر، يعني أكبر من كل ما يشغلك عنه، فإياك أن تعتذر بالعمل في زراعة أو صناعة أو تجارة عن إقامة الصلاة. وقد ناقشت أحد أطباء الجراحة في هذه المسألة، فقال: كيف أترك عملية جراحية من أجل الصلاة؟ فقلت له: بالله لو اضطررت لقضاء الحاجة تذهب أم لا؟ فضحك وقال: أذهب، فقلت: فالصلاة أولى، ولا تعتقد أن الله تعالى يكلف العبد تكليفا، ثم يضن عليه باتساع الزمن له، بدليل أنه تعالى يراعي وقت العبد ومصالحه وإمكاناته، ففي السفر مثلا يشرع لك الجمع والقصر. فبإمكانك أن توفق صلاتك حسب وقتك المتاح لك، إما بجمع التقديم أو التأخير، وكم يتسع وقتك ويخلو من مشغولية العبادة إذا جمعت الظهر والعصر جمع تقديم، والمغرب والعشاء جمع تأخير في آخر وقت العشاء؟ أو حين تجمع الظهر والعصر جمع تأخير، فتصليهما قبل المغرب، ثم تصلي المغرب والعشاء جمع تقديم؟ إذن: المسألة فيها سعة، ولا حجة لأحد في ترك الصلاة بالذات، أما الذين يقولون في مثل هذه الأمور
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..
[البقرة: 286] وأن هذا ليس في وسعي.. فنقول لهم: لا ينبغي أن تجعل وسعك هو الحكم، إنما التكليف هو الحكم في الوسع، وما دام ربك - عز وجل - قد كلفك فقد علم سبحانه وسعك وكلفك على قدره بدليل ما شرعه لك من رخص إذا خرجت العبادة عن الوسع. وقال ﴿ أقم الصلاة.. ﴾ [لقمان: 17] لأن الصلاة أول اكتمال في الإجماع لمنهج الله، وبها يكتمل إيمان الإنسان في ذاته، وسبق أن قلنا: إن هناك فرقا بين أركان الإسلام وأركان المسلم، أركان الإسلام هي الخمس المعروفة، أما أركان المسلم فهي الملازمة له التي لا تسقط عنه بحال، وهي الشهادتان والصلاة، وإن كان على المسلم أن يؤمن بها جميعا، لكن في العمل قد تسقط عنه عدا الصلاة والشهادتين.
ثم يبين لقمان لولده: أن الإيمان لا يقف عند حد الاستجابة لهذين الركنين الأساسيين، إنما من الإيمان ومن كمال الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فيقول له: ﴿ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر.. ﴾ [لقمان: 17] فانشغل بعد كمالك بإقامة الصلاة، بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فبالصلاة كملت في ذاتك، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنقل الكمال إلى الغير، وفي ذلك كمال الإيمان. وأنت حين تأمر بالمعروف، وحين تنهى عن المنكر لا تظن أنك تتصدق على الآخرين، إنما تؤدي عملا يعود نفعه عليك، فبه تجد سعة الراحة في الإيمان، وتجد الطمأنينة والراحة الذاتية لأنك أديت التكاليف في حين قصر غيرك وتخاذل. ولا شك أن في التزام غيرك وفي سيره على منهج الله راحة لك أنت أيضا، وإلا فالمجتمع كله يشقى بهذه الفئة القليلة الخارجة عن منهج الله. ومن إعزاز العلم أنك لا تنتفع به الانتفاع الكامل إلا إذا عديته للغير، فإن كتمته انتفع الآخرون بخيرك، وشقيت أنت بشرهم. إذن: لا تنتفع بخير غيرك إلا حين تؤدي هذه الفريضة، فتأمر غيرك بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وتحب لهم ما تحب لنفسك، وبذلك تنال الحظين، حظك عند الله لأنك أديت، وحظك عند الناس لأنك في مجتمع متكامل الإيمان ينفعك ولا يضرك. ولك هنا أن تلحظ أن هذه الآية لم تقرن إقامة الصلاة بإيتاء الزكاة كعادة الآيات، فغالبا ما نقرأ: