31.31
بعد أن ذكر الحق سبحانه بعض الآيات الكونية البعيدة عنا أراد سبحانه أن يعطينا نموذجا آخر للآيات التي بين أيدينا في الأرض فقال تعالى: ﴿ ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله.. ﴾ [لقمان: 31] ألم تر: يعني ألم تعلم ﴿ أن الفلك.. ﴾ [لقمان: 31] أي: السفن. وربما أن سيدنا رسول الله لم ير هذه السفن في البحار، ولم تكن قد ظهرت السفن العملاقة التي نراها اليوم كالأعلام، كما في قوله سبحانه:
وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام
[الرحمن: 24]. ومتى وجدت البوارج العالية التي تشبه الجبال والمكونة من عدة أدوار. لم توجد إلا حديثا، إذن: فهذا مظهر من مظاهر إعجاز القرآن، ومن ذلك قوله تعالى:
ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون
[الزخرف: 33]. ومن يبحث في القرآن يجد فيه الكثير من هذه الآيات التي تثبت صدق القرآن وصدق رسول الله في البلاغ عن الله. وذكرنا قصة المرأة التي أسلمت لما قرأت التاريخ الإسلامي، وقرأت في سيرة رسول الله أن المؤمنين به كانوا يجعلون عليه حراسة دائمة يتبادلونها حماية له من أعدائه، وفجأة صرف رسول الله هؤلاء الحرس من حوله وقال لهم لقد أنزل الله علي
والله يعصمك من الناس..
[المائدة: 67] فوقفت المرأة عند هذه الآية وقالت: والله لو أن هذا الرجل كان يخدع الناس جميعا ما خدع نفسه في حياته. وقلنا في معنى ﴿ ألم تر.. ﴾ [لقمان: 31] أنها بمعنى ألم تعلم، لأن إعلام الله لك أوثق من رؤية عينيك. وكلمة ﴿ تجري في البحر بنعمة الله.. ﴾ [لقمان: 31] الجري: حركة تودع فيها مكانا إلى مكان آخر، هذا التوديع إما أن تمشي الهوينا أو تجري. لكن ما هي نعمة الله في جريها؟ أولا كانت أول سفينة من الخشب المربوط إلى بعضه بالحبال والدسر، وكان الغاطس منها في الماء حوالي شبر واحد يزيح من الماء بحجم وزن السفينة، فإذا ما وضعت عليها ثقلا فإنها تغطس بمقدار هذا الثقل، حتى إذا ما زاد وزن الماء المزاح عن وزن السفينة وحمولتها فإنها تغرق. وهذه الفكرة هي التي تستخدم في الغواصات، فبالوزن يتم التحكم في حركة الغواصة تحت الماء. والآن نرى السفن العملاقة والتي تصنع من الحديد، والعجيب أن هذا الحديد الصلب يحمله الماء السائل اللين ويجري به، ثم تأتي الريح فتدفع السفن إلى حيث تريد، حتى وإن كانت تسير عكس جريان الماء، ويتمكن ربان السفينة من التحكم في حركتها باستخدام بعض الآلات البسيطة وبتوجيه الشراع بطريقة معينة فتسير السفينة حسب ما أراد حتى لو كان اتجاهها عكس اتجاه الريح، ويسمون هذه الحركة تسفيح.
لذلك يقول سبحانه عن حركة السفن:
إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره..
[الشورى: 33]. وكأن الحق سبحانه يريد أن يبين لنا أن أقل الأشياء كثافة بقوة الحق له يحمل أكثر الأشياء كثافة، وانظر إن شئت إلى جرارات النقل الثقيل، هذه الجرارات العملاقة التي تحمل عدة أطنان من الحديد مثلا على أي شيء تسير وتتحرك؟ إنها تسير وتتحرك على الهواء المضغوط في عجلاتها، والذي يأخذ قوته من هذا الضغط، بحيث إذا زدت في ضغط هذه العجلات تقوى على نفسها فتنفجر. وقوله تعالى: ﴿ ليريكم من آياته.. ﴾ [لقمان: 31] أي: من عجائبه في كونه خاصة في البحار، ففي الماضي كنا لا نرى من المخلوقات في الأعماق إلا السمك الذي يصطاده الصيادون، أما الآن ومع تطور علوم البحار وطرق التصوير تحت الماء أصبحنا نرى في أعماق البحار عجائب أكثر مما نراه على اليابسة. ثم يقول تعالى: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ [لقمان: 31] قوله تعالى: ﴿ لكل صبار.. ﴾ [لقمان: 31] توحي بأن آيات الله في كونه كثيرة، لكن على الإنسان أن يبذل جهدا في البحث عنها واكتشافها، وعليه أن يكون صبارا على مشقة البحث والغوص تحت الماء، فإذا ما رأينا ما في أعماق البحار من عجائب مخلوقات الله فقد وجب علينا الشكر ﴿ لكل صبار شكور ﴾ [لقمان: 31] والشكر لا يكون إلا عن نعمة جدت لم تكن موجودة من قبل. إذن: الحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن نستقبل آياته في الكون استقبال بحث وتأمل ونظر، لا استقبال غفلة وإعراض، كما قال سبحانه: