وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب
[المائدة: 116] إلى أن يقول:
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم
[المائدة: 118]. والمنطق العقلي يقتضي أن نقول في عرف البشر: فإنك أنت الغفور الرحيم، فالمقام مقام مغفرة، لكن عيسى عليه السلام يأتي بها، لا من ناحية الغفران والرحمة، وإنما من ناحية طلاقة القدرة والعزة التي لا يستدرك عليها أحد.
فإنك أنت العزيز الحكيم
[المائدة: 118] والمعنى: لو قال الناس لماذا غفرت لهم مع أنهم قالوا كذا وكذا؟ فالإجابة أنني أنا العزيز الذي أغلب ولا أغلب، ولا يستدرك أحد على حكمي، إذن: ذيل الآية بالعزة لعزة الله تعالى في خلقه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ما خلقكم ولا... ﴾.
31.28
الحق سبحانه وتعالى يؤكد دائما على قضية البعث والقيامة، ويريد سبحانه أن ينصب للناس في حركة حياتهم موازين الجزاء لأن كل عمل لا توجد فيه موازين للجزاء يعتبر عملا باطلا، ولا يمكن أن يستغني عن الجزاء ثوابا وعقابا إلا من كان معصوما او مسخرا، فالمعصوم قائم دائما على فعل الخير، والمسخر لا خيار له في أن يفعل أو لا يفعل. إذن: إذا لم يتوفر مبدأ الجزاء ثوابا وعقابا في غير هذين لا بد أن يوجد فساد، إذا لم يثب المختار على الفعل، ويعاقب على الترك اضطربت حركة الحياة، حتى في المجتمعات التي لا تؤمن بإله وضعت لنفسها هذا القانون، قانون الثواب والعقاب. والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا مثالا لهذا المبدأ في قوله تعالى من قصة ذي القرنين:
إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا
[الكهف: 84-85]. أراد الحق سبحانه أن يبين أن الرجل الممكن في الأرض له مهمة، هذه المهمة هي شكر الله على التمكين ولا يكون إلا بإقامة ميزان العدالة في الكون
حتى إذا بلغ مغرب الشمس..
[الكهف: 86] أي: في رأي العين، وإلا فهي لا تغرب أبدا، إنما تغرب عن جماعة في مكان، وتشرق على جماعة في مكان آخر.
وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا
[الكهف: 86]. ولا يفوض إنسان في أن يعذب أو يتخذ الحسنى إلا إذا كانت لديه مقاييس وميزان العدالة، وقد قال الله عنه:
وآتيناه من كل شيء سببا
[الكهف: 84] أي: نعمة وميزانا لتوزيع هذه النعمة، فلم تقتصر نعمة الله عليه في أنه صاحب سلطان وجبروت، إنما عنده المقومات الحياتية، وعنده ميزان العدالة الذي يضبط استطراق النعم في الكون كله. فالذي خير في أن يفعل أو لا يفعل أراد أن يبين منهجه في أنه لم يأخذ الاختيار وسيلة لتثبيت الأهواء لذلك قال بعدها:
قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا
[الكهف: 87] هذا هو العقاب
وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا
[الكهف: 88] أي: بعد أن ينال ثوابه، نعطيه فوق ذلك حوافز تشجعه، ونقيم له حفلة تكريم لنغري غيره بأن يسلك مسلكه. إذن: فقضية الثواب والعقاب أمر لازم، وإذا كان هذا في الأمور الحياتية الجزئية، فهو أولى في أمور الدين والقيم التي تسيطر على كل موازين الحياة، لا بد من وقت للثواب وللعقاب، وإلا استشرى الظلم واغتال الناس، وقضى عليهم وأخذ منهم كل متع الحياة، فانتفع بذلك المفسد، وخاب كل من التزم بدين الله وقيم منهجه.
لذلك تجد الحق - تبارك وتعالى - يؤكد دائما على مسألة البعث والقيامة والحساب، وترى أعداء الدين يحاولون أن يشككوا في هذه القضية، وأن يزحزحوا الناس عن الإيمان بها بطرق شتى. فالفلاسفة لهم في ذلك دور، وللملاحدة دور، ولأهل الكتاب دور لذلك تجد التوراة مثلا تكاد تخلو من إشارة عن اليوم الآخر، وهذا أمر غريب لا يمكن تصوره في كتاب ودين سماوي ومنهج حياة. وما ذلك إلا لأن أهل التوراة أرادوا أن يزحزحوا الناس عن أمور عدة ليثبتوا لأنفسهم سلطة زمنية مادية، حتى إنهم طمعوا في أن يرتقوا بهذه السلطة حتى يصلوا إلى الله تعالى، كما حكى القرآن عنهم: