31.30
قوله تعالى: ﴿ ذلك.. ﴾ [لقمان: 30] إشارة إلى ما تقدم ذكره من دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل، وتسخير الشمس والقمر، ذلك كله ﴿ ذلك بأن الله هو الحق.. ﴾ [لقمان: 30] فكل ما تقدم نشأ عن صفة من صفات الله وهو الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، فكأن ناموس الكون بكل أفلاكه وبكل المخلوقات فيه له نظام ثابت لا يتغير لأن الذي خلقه وأبدعه حق ﴿ بأن الله هو الحق.. ﴾ [لقمان: 30]. وما دام الله تعالى هو الحق فما يدعونه من الشركاء هم الباطل ﴿ وأن ما يدعون من دونه الباطل.. ﴾ [لقمان: 30]، فلا يوجد في الشيء الواحد حقان، فإن كان أحدهما هو الحق فغيره هو الباطل، فالحق واحد ومقابله الباطل. وأي باطل أفظع من عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة وشركاء مع الله عز وجل؟ كيف وهي حجارة صوروها بأيديهم وأقاموها ليعبدوها من دون الله، والحجارة جماد من جمادات الأرض، والجماد هو العبد الأول لكل المخلوقات، عبد للنبات، وعبد للحيوان، وعبد للإنسان لأنه مسخر لخدمة هؤلاء جميعا. فكيف بك وأنت الإنسان الذي كرمك ربك وجعل لك عقلا مفكرا تتدنى بنفسك وترضى لها أن تعبد أدنى أجناس الوجود، وتتخذها شريكا مع الله، وأنت ترى الريح إذا اشتدت أطاحت باللات أو بالعزى، وألقته على الأرض، وربما كسرت ذراعه، فاحتاج لمن يصلح هذا الإله، إذن ﴿ وأن ما يدعون من دونه الباطل.. ﴾ [لقمان: 30]. لذلك قلنا في الحروب التي تنشب بين الناس: إنها لا تنشب بين حقين لأن الحقيقة لا يوجد فيها حقان، إنما هو حق واحد، والآخر لا بد أن يكون باطلا، أو تنشأ بين باطلين، أما نشأتها بين حق وباطل فإنها في الغالب لا تطول لأن الباطل زهوق. والعاقبة لا بد أن تكون للحق ولو بعد حين، أما الباطل فإنه زهوق، إنما تطول المعركة إن نشبت بين باطلين، فليس أحد الطرفين فيها أهلا لنصرة الله، فتظل الحروب بينهما حتى يتهالكا، وتنتهي مكاسب طغيان كل منهما، ولا يردهما إلا مذلة اللجوء إلى التصالح بعد أن فقدا كل شيء. لذلك نرى هذه الظاهرة أيضا في توزيع التركات والمواريث بين المستحقين لها، حيث ينشب بينهم الخلاف والطعن واللجوء إلى القضاء والمحامين حتى يستنفد هذا كله جزءا كبيرا من هذه التركة، حتى إذا ما صفت مما كان بها من أموال جمعت بالباطل ترى الأطراف يميلون إلى الاتفاق والتصالح وتقسيم ما بقي. واقرأ إن شئت حديث رسول الله صلى الله عليهم وسلم:
" من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر "
ومعنى: مهاوش يعني التهويش أو كما نقول بيهبش من هنا ومن هنا، وطبيعي أن يذهب الله هذا المال في الباطل وما لا فائدة منه.
وسبق أن أعطينا مثلا لمصارف المال الحرام بالأب يرجع إلى بيته، فيجد ابنه مريضا حرارته مرتفعة، فيسرع به إلى الطبيب ويصيبه الرعب، ويتراءى له شبح المرض، فينفق على ابنه المئات، أما الذي يعيش على الكفاف ويعرق في كسب عيشه بالحلال فيكفيه في مثل هذه الحالة قرص أسبرين وكوب ليمون، فالأول أصاب ماله من مهاوش، والآخر أصابه من الحلال. فقول الله تعالى: ﴿ ذلك بأن الله هو الحق.. ﴾ [لقمان: 30] يعني: أن الحق هو الظاهر وهو الغالب، فإن قلت كيف ونحن نرى الباطل قد يعلو على الحق ويظهر عليه؟ ونقول: نعم، قد يعلو الباطل لكن إلى حين، وهو في هذه الحالة يكون جنديا من جنود الحق، كيف؟ حينما يعلو الباطل وتكون له صولة لا بد أن يعض الناس ويؤذيهم ويذيقهم ويلاته، فيلتفتون إلى الحق ويبحثون عنه ويتشوقون إليه. إذن: لولا الباطل ما عرفنا ميزة الحق، ومثال ذلك الألم الذي يصيب النفس الإنسانية فينبهها إلى المرض، ويظهر لها علتها، فتطلب الدواء، فالألم جندي من جنود الشفاء، وقلنا سابقا: إن الكفر جندي من جنود الإيمان. لذلك لا تحزن إن رأيت الباطل عاليا، فذلك في صالح الحق، واقرأ قول ربك عز وجل: