ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول..
[المجادلة: 8]. هذه كلها من آيات الإنارة في القرآن التي استوعبت الماضي والحاضر والمستقبل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا... ﴾.
31.21
كلمة ﴿ مآ أنزل الله.. ﴾ [لقمان: 21] عامة تشمل كل الكتب المنزلة، وأقرب شيء في معناها أن نقول: اتبعوا ما أنزل الله على رسلكم الذين آمنتم بهم، ولو فعلتم ذلك لسلمتم بصدق رسول الله وأقررتم برسالته. أو: يكون المعنى ﴿ اتبعوا مآ أنزل الله.. ﴾ [لقمان: 21] أي: تصحيحا للأوضاع، واعرضوه على عقولكم وتأملوه. لكن يأتي ردهم: بل وبل تفيد إضرابهم عما أنزل الله ﴿ نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا.. ﴾ [لقمان: 21] وفي آية أخرى
قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ..
[البقرة: 170]. فما الفرق بين وجدنا و ألفينا وهما بمعنى واحد؟ قالوا: لأن أعمار المخاطبين مختلفة في صحبة آبائهم والتأثر بهم، فبعضهم عاش مع آبائه يقلدهم فترة قصيرة، وبعضهم عاصر الآباء فترة طويلة حتى ألف ما هم عليه وعشقه لذلك قال القرآن مرة ألفينا ومرة وجدنا. والاختلاف الثاني نلحظه في اختلاف تذييل الآيتين، فمرة يقول:
أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون
[البقرة: 170] ومرة أخرى يقول:
أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون
[المائدة: 104]. فما الفرق بين: يعقلون ويعلمون؟ الذي يعقل هو الذي يستطيع بعقله أن يستنبط الأشياء، فإذا لم يكن لديه العقل الاستنباطي عرف المسألة ممن يستنبطها، وعليه فالعلم أوسع دائرة من العقل لأن العقل يعلم ما عقله، أما العلم فيعلم ما عقله هو وما عقله غيره، فقوله يعلمون تشمل أيضا يعقلون. إذن: إذا نفي العقل لا ينفى العلم لأن غيرك يستنبط لك فالرجل الريفي البسيط يستطيع أن يدير التلفزيون مثلا ويستفيد به ويتجول بين قنواته، وهو لا يعرف شيئا عن طبيعة عمل هذا الجهاز الذي بين يديه، إنما تعلمه من الذي يعلمه، فالإنسان يعلم ما يعقله بذاته، ويعلم ما يعقله غيره، ويؤديه إليه لذلك فنفي العلم دليل على الجهل المطبق الذي لا أمل معه في إصلاح الحال. ونلحظ أيضا أن القرآن يقول هنا: ﴿ قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا.. ﴾ [لقمان: 21]، وفي موضع آخر يقول:
قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ..
[المائدة: 104] فقولهم: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فيه دلالة على إمكانية اتباعهم الحق، فالإنكار هنا بسيط، أما الذين قالوا
حسبنا..
[المائدة: 104] يعني: يكفينا ولا نريد غيره، فهو دلالة على شدة الإنكار لذلك في الأولى نفى عنهم العقل، أما في الأخرى فنفى عنهم العلم، فعجز الآيات يأتي مناسبا لصدرها. وهنا يقول تعالى في تذييل هذه الآية ﴿ أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ﴾ [لقمان: 21] لأن آباءهم ما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من عبادة الأصنام والكفر بالله إلا بوسوسة الشيطان، فالشيطان قدر مشترك بينهم وبين آبائهم. وهذا يدلنا على أن منافذ الإغواء مرة تأتي من النفس، ومرة تأتي من الشيطان، وبهما يطمس نور الإيمان ونور المنهج في نفس المؤمن.
وسبق أن بينا أنك تستطيع أن تفرق بين المعصية التي تأتيك من قبل الشيطان، والتي تأتيك من قبل نفسك، فالشيطان يريدك عاصيا على أي وجه من الوجوه، فإذا تأبيت عليه في ناحية نقلك إلى ناحية أخرى. أما النفس فتريد معصية بعينها تقف عندها لا تتحول عنها، فالنفس تميل إلى شيء بعينه، ويصعب عليها أن تتوب منه، ولكل نفس نقطة ضعف أو شهوة تفضلها لذلك بعض الناس لديهم كما قلنا طفاشات للنفوس لأنهم بالممارسة والتجربة يعرفون نقطة الضعف في الإنسان ويصلون إليه من خلالها، فهذا مدخله كذا، وهذا مدخله كذا. لكن نرى الكثيرين ممن يقعون في المعصية يلقون بالتبعة على الشيطان، فيقول الواحد منهم: لقد أغواني الشيطان، ولا يتهم نفسه، وهذا يكذبه الحديث النبوي في رمضان: