تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31.27

قوله تعالى ﴿ من شجرة.. ﴾ [لقمان: 27] من: هنا تفيد العموم أي: من بداية ما يقال له شجرة، وفرق بين أن تقول: ما عندي مال، وما عندي من مال، فالأولى لا تمنع أن يكون عندك القليل من المال الذي لا يعتد به، أما من مال فقد نفيت جنس المال قليله وكثيره. وتقول: ما في الدار أحد. وربما يكون فيها طفل مثلا أو امرأة، أما لو قلت: ما في الدار من أحد، فهذا يعني خلوها من كل ما يقال له أحد. والشجرة: هي النبات الذي له ساق، وقد تشابكت أغصانها، ومن ذلك قوله تعالى:

فيما شجر بينهم..

[النساء: 65]. أما النبات الذي ليس له ساق فهو العشب أو النجم الذي ينتشر على سطح الأرض، خاصة بعد سقوط الأمطار، وهذا لا تؤخذ منه الأقلام، إنما من الشجرة ذات الغصون والفروع. وقد ذكر القرآن الكريم هذين النوعين في كلام معجز، فقال سبحانه:

الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان

[الرحمن: 5-6] فالشمس والقمر

بحسبان

[الرحمن: 5] أي: حساب دقيق محكم لأن بهما حساب الزمن،

والنجم والشجر يسجدان

[الرحمن: 6] أي: في خضوع لله تعالى. وكلمة النجم هنا يصح أن تضاف إلى الشمس والقمر، ويصح أن تضاف للشجر، فهو لفظ يستخدم في معنى، ويؤدي معنى آخر بضميمة ضميره. وقد تنبه الشاعر إلى هذه المسألة، فقال:

أراعي النجم في سيرى إليكم

ويرعاه من البيدا جوادي

فهو ينظر إلى نجم السماء ليهتدي به في سيره، ويرعى جواده نجم الأرض، ومن ذلك أيضا كلمة العين، فتأتي بمعنى الذهب والفضة، وبمعنى الجاسوس، وبمعنى عين الماء، وبمعنى العين المبصرة. ومعنى: ﴿ والبحر يمده من بعده سبعة أبحر.. ﴾ [لقمان: 27] أي: يعينه ويساعده إن نفد ماؤه. ولك هنا أن تسأل: لماذا جعل الإمداد للماء، ولم يجعله للشجر؟ قالوا: لأن القلم الواحد يكتب بحبر كثير لا حصر له، فالحبر مظنة الانتهاء، كما أن الشجر ينمو ويتجدد، أما ماء البحر فثابت لا يزيد. واقرأ أيضا في هذه المسألة:

قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا

[الكهف: 109]. والعدد سبعة هنا ﴿ سبعة أبحر.. ﴾ [لقمان: 27] لا يراد به العدد، إنما يراد به الكثرة كما في قوله تعالى:

سبع سماوات..

[الطلاق: 12] فهذه في مجرتنا الشمسية، فما بالك بالسماوات في المجرات الأخرى، وقد علمنا أن السماء هي كل ما علاك فأظلك. إذن: يرد العدد سبعة على سبيل الكثرة، والعرب كانوا يعتبرون هذا العدد نهاية للعدد لأن العدد معناه الأرقام التي تبين المعدود، فهناك فرق بين العدد والمعدود، ولما تبينا هذا الفرق استطعنا أن نرد على المستشرقين في مسألة تعدد الزوجان، فالعدد يعني 1، 2، 3، 4، 5 أما المعدود، فما يميز هذه الأعداد.

والرسول صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن ينهي التعدد المطلق للزوجات لما أنزل الله عليه أن يأمر الناس أن من معه أكثر من أربع زوجات أن يمسك أربعا منهن ويفارق الباقيات. وكان عند رسول الله في هذا الوقت تسع زوجات لم يشملهن هذا الحكم، فقالوا: لماذا استثنى الله محمدا من هذا الحكم؟ وكيف يكون عنده تسع، وعند امته أربع؟ ولم يفطنوا إلى مسألة العدد والمعدود: هل استثنى الله تعالى رسوله في العدد، أم في المعدود؟ نقول: استثناه في المعدود لأنه تعالى خاطب نبيه في آية أخرى:

لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن..

[الأحزاب: 52] ففرض على رسول الله أن يقتصر على هؤلاء، لا يزيد عليهن، ولا يتزوج بعدهن حتى لو متن جميعا. إذن: لم يستثنه في العدد، وإلا لكان من حقه إذا ماتت واحدة من زوجاته أن يتزوج بأخرى، وإن متن جميعا يأتي بغيرهن. ولك أن تقول: ولماذا جعل الله الاستثناء في المعدود لا في العدد؟ قالوا: لأن زوجات غير النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلقها زوجها لها أن تتزوج بغيره، لكن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين ومحرمات عليهم، فإن طلق رسول الله إحدى زوجاته بقيت بلا زواج. لذلك أمر رسول الله أن يمسك زوجاته التسع، شريطة ألا يزيد عليهن، في حين يباح لغيره أن يتزوج بأكثر من تسع، بشرط ألا يبقى معه أكثر من أربع، وعليه، فهذا الحكم ضيق على رسول الله في هذه المسألة في حين وسع على أمته. ونعلم أن معظم زوجات النبي كن كبيرات في السن، وبعضهن كن لا إربة لهن في مسألة الرجل، لكنهن يحرصن على شرف الانتساب لرسول الله، وعلى شرف كونهن أمهات المؤمنين لذلك كانت الواحدة منهن تتنازل عن قسمها في البيتوتة لضرتها مكتفية بهذا الشرف. إذن: التفريق بين العدد والمعدود خلصنا من إفك المستشرقين، ومن تحاملهم على رسول الله واتهامهم له بتعدد الزوجات، وأنه صلى الله عليه وسلم وسع على نفسه وضيق على أمته. ومسألة العدد والمعدود هذه مسألة واسعة حيرت حتى الدارسين للنحو، فلا إشكال في العدد واحد والعدد اثنان لأننا نقول في المفرد المذكر: واحد والمؤنث: واحدة. وللمثنى المذكر: اثنان، وللمؤنث: اثنتان. فالعدد يوافق المعدود تذكيرا وتأنيثا، لكن الخلاف يبدأ من العدد ثلاثة، حيث يذكر العدد مع المعدود المؤنث، ويؤنث مع المعدود المذكر، فمن أين جاء هذا الاختلاف؟ قالوا: لاحظ أن التذكير هو الأصل ولذلك احتاج التأنيث إلى علامة، أما المذكر وهو الأصل فلا يحتاج إلى علامة، تقول: قلم. وتقول: دواة. فاحتاجت إلى علامة للتأنيث فهي الفرع والمذكر هو الأصل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٥٧