تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31.29

هذه آيات كونية واضحة مرئية للجميع: للمؤمن وللكافر، للطائع وللعاصي، فالحق سبحانه يوزع لنا الوقت بين ليل ونهار، لكنه ليس توزيعا متساويا ميكانيكيا، بحيث يكون كل منهما أربعا وعشرين ساعة ثابتة على التقدير الجبري كما يقولون لذلك نرى اليوم ينقص مثلا عن الأربع وعشرين ساعة عدة دقائق تضاف إلى زمن الليل أو العكس. لذلك قالوا من أيام بطليموس: السنة 365 يوما وخمس ساعات، وخمس وخمسون دقيقة، واثنتا عشرة ثانية بالدقة. بعدها انتهوا إلى أن السنة 365 يوما وربع يوم عن طريق الجبر، فكل ثلاث سنين نجبر الرابعة، ويقولون: سنة بسيطة، وسنة كبيسة أي: طويلة، فالتي تقبل القسمة على أربعة سنة كبيسة، لذلك نجد شهر فبراير في هذه السنة 29 يوما، ذلك لنعوض اليوم. وكلمة يوم تعني الليل والنهار، لكن القسمة بينهما ليست متساوية، فالحق - تبارك وتعالى - بصنعته الحكيمة أراد أن يوزع الحرارة والبرودة على كل مناطق المعمورة، ويعطي لكل منطقة ما تحتاجه لتنبت أرضها، وتعطينا نحن مقومات حياتنا، بدليل أن من النباتات ما لا ينمو إلا في الصيف، ومنها ما لا ينمو إلا في الشتاء، كذلك في الاعتدال الربيعي والاعتدال الخريفي. لذلك، عرفنا أخيرا أن الخالق سبحانه جعل لمحور الأرض ميلا بمقدار 23.5 درجة عن مستوى مدارها فهي إذن غير مستوية، ففي فصل الشتاء يكون القسم الكبير منها مواجها لليل، والآخر مواجها للنهار، فتجد ليل الشتاء أطول من ليل الصيف وأبرد منه، ويبلغ ليل الشتاء أقصى ما يمكن من الطول وهو 12 ساعة فهي شهر كيهك، حتى أن الفلاحين يقولون في كيهك كياك صباحك مساك قوم من نومك حضر عشاك. ومقابل ذلك في فصل الصيف، فكأن ميل محور الأرض سر من أسرار هندسة هذا الكون، ففي الحادي والعشرين من حزيران يونيو يبدأ الانقلاب الصيفي، وفي الثالث والعشرين من كانون الأول ديسمبر يبدأ الانقلاب الشتوي، ثم الاعتدال الربيعي في الحادي والعشرين من آذار مارس، والاعتدال الخريفي في الثاني والعشرين من أيلول سبتمبر. وفي الاستواء الربيعي والاستواء الخريفي تجد أن الليل مساو للنهار، وجوهما معتدل لا حر ولا برد. فقول الله تعالى: ﴿ ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.. ﴾ [لقمان: 29] يعني: لا تظن أن الليل والنهار قسمة متساوية لأن الله تعالى بحكمته يدخل جزءا من الليل في النهار، أو جزءا من النهار في الليل، فيزيد في أحدهما، وينقص من الآخر لحكمة أرادها سبحانه وتعالى لصالح الإنسان، وإمدادا له بمقومات حياته، لتعلم أن ما يطرأ على الليل أو النهار من تغيير الأشياء لها مناط في الحكمة الإلهية العليا.

وحين نقسم اليوم إلى ليل ونهار - وهي قسمة كما قلنا ليست رتيبة ولا متساوية - فإن لليل مهمة في الحياة وللنهار مهمة، كما بين لنا سبحانه:

وجعلنا اليل لباسا *وجعلنا النهار معاشا

[النبأ: 10-11]. معنى اللباس أن تسكن فيه وتكن وتستر نفسك لذلك عرفنا فيما بعد أن الضوء أثناء النوم أمر غير صحي، وفهمنا قول رسول الله: " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم ". والحق سبحانه يوضح لنا هذه المسألة في قوله تعالى:

والضحى * والليل إذا سجى

[الضحى: 1-2] ويقول:

والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى

[الليل: 1-2] ليبين لك أن لكل منهما مهمة في حركة حياتك، فالنهار للحركة، والليل للسكون، وعليك ألا تخلط بين هاتين المهمتين دون داع، وقد استثنينا من هذه القاعدة من تحتم عليهم طبيعة عملهم أن يعملوا بالليل ويرتاحوا بالنهار. والخالق عز وجل جعل في حركة الليل والنهار أسرارا وعجائب ينبغي أن نتنبه إليها بمعطيات العلم، ومن حكمة الخالق سبحانه أن جعل لكل سر في الكون ميلادا يولد فيه، ونثر أسرار كونه على خلقه ولم يظهرها لجيل واحد، وإلا لو كشف القرآن كل أسراره للأمة الأمية التي عاصرت نزوله لانصرفت عن الدعوة الجديدة بتكذيب هذه القضايا التي لم تصدقها العقول حتى في العصر الحديث ورغم تقدم العلوم، فمثلا لما قال العلماء بكروية الأرض ودورانها حول الشمس لم نصدق هذه الحقائق حتى جاءتنا الصور الفضائية التي تؤكد ذلك. وقلنا: إن ميلاد سر من أسرار الكون قد يصادف بحثا من البشر، فيأتي السر ويظهر على أنه نتيجة لهذا البحث، وإلا أظهره الله للناس بالمصادفة رحمة بهم وتفضلا عليهم لذلك نجد أن معظم الاكتشافات جاءت صدفة، لم يسع إليها البشر، ولم يذهبوا إليها بمقدمات. والقرآن الكريم حين يتحدث عن الليل والنهار يقول كلاما عاما يفهمه كل معاصر لمرحلة من مراحل التقدم العلمي:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٦٢