31.14
أهذه وصية من وصايا لقمان لابنه، أم هي كلام جديد من الله تعالى جاء في سياق كلام لقمان؟ قالوا: هو من كلام الحق تبارك وتعالى، بدليل قوله تعالى بعد ذلك:
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما..
[لقمان: 15]. ومن التكريم للقمان أن الله تعالى ساق هذه الوصية بعد وصيته لابنه، فجاءت وكأنها حكاية عنه. ومعنى ﴿ ووصينا.. ﴾ [لقمان: 14] يعني: علمنا ووعظنا، وهما يدلان على معلومات تبتدئ بعلمنا ويذكر بها في وعظنا، ويوفى بها حين جمعنا كل الخير في كلمة واحدة لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما خطب الناس في حجة الوداع ذكر أمهات الفضائل، لماذا؟ لأنه آخر كلامه إليهم، والموقف لا يناسب أن يذكر فيه تفاصيل الدين كله، فاكتفى بذكر أسسه وقواعده، كالرجل منا حين تحضره الوفاة يجمع أولاده، ويوصيهم، فيختار الأمور الهامة والخلاصة في أضيق نطاق. الله تعالى يقول: ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه.. ﴾ [لقمان: 14] والوصية بالوالدين بالذات أخذت رقعة واسعة في كتاب الله، في هذه الآية ذكر علة الوصية، فقال: ﴿ حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين.. ﴾ [لقمان: 14]. وفي خمس آيات أخرى وردت كلمة إحسانا، في قوله تعالى:
وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا..
[البقرة: 83]. وفي سورة النساء:
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..
[النساء: 36]. وفي الأنعام:
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..
[الأنعام: 151]. وفي الإسراء:
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا..
[الإسراء: 23]. وفي الأحقاف:
ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..
[الأحقاف: 15]. وفي آية واحدة وردت كلمة حسنا في سورة العنكبوت:
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..
[العنكبوت: 8]. وفي آية واحدة أيضا جاءت الوصية بالوالدين دون ذكر لهاتين الكلمتين: حسنا وإحسانا هي الآية التي نحن بصدد الحديث عنها. لكن، ما الفرق بين إحسانا و حسنا؟ الفرق أن الإحسان مصدر أحسن، وأحسن حدث، تقول: أحسن فلان إحسانا. أما حسنا فمن الحسن وهو المصدر الأصيل لهذه المادة كما تقول: فلان عادل، فوصفته بالعدل، فإن أردت أن تبالغ في هذا الوصف تقول: فلان عدل أي: في ذاته، لا مجرد وصف له. إذن: فحسنا آكد في الوصف من إحسانا، فلماذا جاءت في هذه الآية بالذات:
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..
[العنكبوت: 8] قالوا: لأن هذه الآية تتعرض لمسألة صعبة تمس قمة العقيدة، فسوف يطلب الوالدان من الابن أن يشرك بالله. لذلك احتاج الأمر أن نوصي الابن بالحسن في ذاته، وفي أسمى توكيداته فلم يقل هنا إحسانا إنما قال حسنا حتى لا يظن أن دعوتهما إياه إلى الشرك مبرر لإهانتهما، أو التخلي عنهما لذلك يعلمنا ربنا:
فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا
[لقمان: 15]. وإن كانت الوصية هنا بالوالدين ألا أن حيثيات الوصية خاصة بالأم ﴿ حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين ﴾ [لقمان: 14] فلم يذكر شيئا عن دور الأب، لماذا؟ قالوا: لأن الكلام هنا كلام رب، وما عليك إلا أن تعمل فيه فكرك وقلبك لتصل إلى دقائقه. الله تعالى يذكرنا هنا بدور الأم خاصة، لأنها تصنع لك وأنت صغير لا تدرك صنعها، فهو مستور عنك لا تعرفه، أما الأفعال الأب وصنعه لك فجاء حال كبرك وإدراكك للأمور من حولك، فالابن يعرف ما قدم أبوه من أجله. فكأن أفعال الأب وجدت حين تم تكوين العمر العقلي الواعي، ففهم الابن ما فعل أبوه، وكثيرا ما سمع الابن: أبوك ذهب إلى كذا، أبوك أحضر لك كذا، وهذا الأمر عندما يأتي أبوك.. الخ، فدور الأب ظاهر على خلاف دور الأم لذلك ذكره الحق - تبارك وتعالى - هنا ﴿ حملته أمه وهنا على وهن ﴾ [لقمان: 14]. ويأتي من يقول: أليس الابن نتيجة التقاء الأب والأم، فهما فيه سواء؟ ونقول: بلى، لكن مشقة الأم فيه أوضح أثناء الحمل وعند الولادة، ولولا أن الله تعالى ربط النسل بالشهوة لزهد الناس فيه لما تتحمله الأم من مشاق، ولما يتحمله الأب من تبعات الأولاد. ونعرف قصة المرأة التي ذهبت تقاضي زوجها لأنه يريد أن يأخذ ولدها منها، فقالت للقاضي وقد قال لها: أليس الولد ولدكما معا؟ قالت: بلى، ولكنه حمله خفا ووضعه شهوة، وحملته وهنا على وهن، فحكم لها. ومعنى: ﴿ وهنا على وهن.. ﴾ [لقمان: 14] أي: ضعفا على ضعف، والمرأة بذاتها ضعيفة، فاجتمع لها ضعفها الذاتي مع ضعف بسبب الجنين الذي يتغذى منها، ويكبر في أحشائها يوما بعد يوم لذلك قلنا: إن من حكمة الله تعالى في خلق الرحم أن جعله قابلا للتمدد والاتساع ليحتوي الجنين في مراحل الحمل المختلفة إلى أن يزيد الجنين زيادة لا يتحملها اتساع الرحم فينفجر إيذانا بولادة إنسان جديد وخلق آخر كما قال تعالى: